بقلم: عبد العزيز المكي...
في الوقت الذي تشهد فيه منطقة غرب آسيا، توتراً متصاعداً بسبب العدوان الأمريكي والصهيوني، وعلى كل الأصعدة، على ايران وعلى لبنان وغزة والضفة الغربية، وحتى على اليمن.. في هذا الوقت أعلن من مكة في السابع من آب ٢٠٠٢٦ عن ولادة حلف جديد يضم السعودية وتركيا وباكستان، قال وزير الخارجية التركي ما كان فیدان "ان اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها تركيا والسعودية وباكستان (في مكة) تشبه من الناحية الفنية، مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو). وأوضح فيدان "ان الاتفاقية تقوم على مبدأ مفاده أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعاً" ... مشدداً على "أن أي دولة لن تكون هدفا للاتفاقية ما لم تبادر الى مهاجمة أحد أطرافها! في إشارة واضحة إلى محاولة الوزير التركي إبعاد التصورات التي تولدت في اذهان الخبراء والمراقبين بأن هذا التكتل العسكري والاقتصادي موجه بالأساس ضد إيران
وكما تابع الأخوة القراء والمتابعون .. لقد حظي هذا الحلف الجديد باهتمام وتحليل كبيرين من قبل الخبراء العسكرين والسياسيين ووسائل الاعلام في المنطقة والعالم الغربي، فمنهم من اعتبر الحلف:
1- بادرة جيدة تهدف إلى حماية الدول العربية والإسلامية من التحديات الصهيونية والأمريكية في ظل المشروع الصهيوني الأمريكي الذي يتحرك حاليا في المنطقة والذي يرتكز كما هو معروف على اقامة ما يسمونه (اسرائيل الكبرى وقضم مساحات كبيرة من العديد من الدول العربية)، لا سيما وان العدو الصهيوني يعلن على لسان رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو، وبقية المسؤولين الصهاينة، ان اقتطاع اجزاء كبيرة من جنوب سوريا ومن غزة ومن جنوب لبنان يشكل باكورة اقامة هذا المشروع الذي يطال في حال استكماله كل سوريا ولبنان والكويت وجزء من تركيا والعراق والسعودية ومصر!! وعلى هذه الخلفية اعتبر أصحاب هذا الرأي ان اقامة الحلف المذكور جاء في وقت مهم استراتيجيا لإقامة ردع عربي واسلامي بوجه هذا المخطط بحسب زعمهم!! ولذلك فالحلف بحسب وجهة نظرهم مهم وطالبوا بدعمه ومباركته وتوسيع قاعدته لأنه بحسب تصورهم سيشكل قاعدة صلبة للدول العربية والإسلامية!
٢- ومن هؤلاء الخبراء والمحللين من اعتبر الاتفاقية التي رقيت مؤخرا الى (حلف مكة)، مجرد اتفاقية شفهية لا قيمة لها، إنها بالون اعلامي بحسب زعمهم ، كما جاء ذلك في تعليق عبد الخالق عبد الله مستشار محمد بن زايد رئيس الامارات، حيث قال بعد تشكيكه بالاتفاقية واعتبارها مجرد اتفاقية شفهية .. قال مغرداً: "انه كان حري بالسعودية أن تعزز البيت الخليجي باتفاقية دفاع مشترك بدلاً من الذهاب إلى التحالف مع تركيا وباكستان". حيث كرر عبد الخالق عبدالله هذه التصريحات حول تلك الاتفاقية اكثر من عشر مرات، فما استدعى الرد عليه من جانب الطرف السعودي على لسان عبد العزيز التويجري المدير العام السابق لمنظمة (الأيسيسكو)، قائلا بشان عبد الخالق عبد الله وتغريداته حول الاتفاقية، "هو يشكك في الاتفاقية ويدلي فيها"! واضاف هو بلا شك كغيره من مغردي بلاده صدى لموقفها. أما معاهدة الدفاع المشترك التي بين دولته والهند والتعاون متعدد المجالات مع الكيان الصهيوني فحلال في نظره"!
3ـ ومنهم من اعتبر الاتفاقية تمرد على الإدارة الأمريكية وعلى حمايتها للأنظمة، بل اكثر من ذلك زعم أصحاب هذا الرأي، ان حلف مكة يعتبر تطوراً وتغييراً في المنظومة الأمنية في المنطقة بعيداً عن الولايات المتحدة !! يقول وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان "ترسيخ اتفاقية مكة بين السعودية وباكستان وتركيا التي تم توقيعها في مكة المكرمة، إطارا لشراكة دفاعية طويلة المدى، تعزز الردع والتنسيق والتكامل بين بلداننا الشقيقة، وتسهم في دعم أمن واستقرار المنطقة والعالم"! وعلى هذا الاساس اعتبر بعض المحللين ان الحلف "هو لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الأمة.. أعلن فيها ثلاثة من أبنائها .. أن عصر التبعية للأمن المستورد قد ولىّ الى غير رجعة، انه اعلان عن ولادة نواة لنظام أمني اقليمي جديد .." وجاء مقال الكاتب العماني محمد أحمد سهيل المعشني تحت عنوان: (إتفاقية مكة: سقوط الوصاية وميلاد محور الكبار) المنشور في 8/8/2026 ، في هذا السياق أيضاً.. حيث قال: "لم يعد المشهد الاقليمي كما كان، فبعد اكثر من قرن من بناء الأمن تحت مظلات خارجية، يبدو وكأنها تعلن بداية مرحلة مختلفة، مرحلة تتقدم فيها القوى الاقليمية من موقع طالب الحماية الى موقع الشريك في انتاج الأمن ..."! على حد زعمه.
على انني لا أتفق مع هذه الرؤية إلى حد كبير فمروجوها إما غير مطلعين على بواطن الأمور، وبالتالي يكونون مدفوعين بدافع الحماس هذه الخطوة مما ساهموا بشكل مقصود او غير مقصود في تسويق الحلف وفي تضليل الرأي العام حول دوافعه واهدافه الحقيقية، واما هم يتبنون الرؤية السعودية الباكستانية التركية، التي يروجها اعلام الدول الثلاث وحتى مسؤوليها!!
أنا أرى أن هذا الحلف، لم يكن تمرداً على الإرادة الأمريكية ولا لحماية العالم الإسلامي من الأخطار الاسرائيلية والأمريكية، وانما هو جاء استجابة لأوامر واشنطن، أو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بارك هذه الخطوة لأنها تصب في مصلحته، حتى اذا لم يكن قد أوحى أو اشار للأطراف المذكورة القيام بذلك، بدليل تصريحات ترامب نفسه، حيث قال فيها "إنه سعيد بتوقيع الاتفاق" واصفاً إياه بانه "خطوة أولى كبيرة وجريئة ومهمة" ومهنئاً قادة السعودية وتركيا وباكستان على ما وصفه بـ (القيادة الرائعة)!! واضاف ترامب ان الاتفاق يظهر: "الشرق الأوسط يتكاتف" و "أن دول المنطقة ستتمكن أخيراً من الدفاع عن نفسها بطريقة اكثر فاعلية"!
وذلك يعني ما يلي:
ان حلف مكة نواة لـ (حلف إسلامي) على شاكلة حلف الناتو الغربي، ولم يخطئ بعض المحللين في تسميته بـ (الناتو الإسلامي) ولذلك جاءت تسميته بـ (حلف مكة) فهذه التسمية لم تأت اعتباطاً وانما كانت خطوة مدروسة لاسباغ الصبغة الاسلامية لاقناع الاطراف الإسلامية والعربية الأخرى بالانضمام اليه .. وهذا ما تشير اليه بوضوح تصريحات ترامب وتصريحات وزير خارجية تركيا هاكان فيدان فالذي يتمعن بعمق في ما وراء هذه التصريحات، ينتهي بهذه الاستنتاجات. ففيدان أوضح بصورة جلية، أن هذا الحلف هو خطوة في طريق ترتيب معادلة المنظومة الأمنية الاقليمية لصالح بقاء المصالح الأمريكية وحماية الكيان الصهيوني وعملاء أمريكا في المنطقة، ومنح تركيا دوراً إقليميا كانت باستمرار تتطلع اليه لتحقيق ما تسميه أهدافها التاريخية في المنطقة! يقول فيدان بعد اشارته إلى وجود أطراف أخرى تريد الانضمام إلى الحلف، قال مخاطباً اطراف الحلف "أنتم في الأصل تؤسسون ميثاقاً أمنياً من أجل ذلك ولهذا السبب تقرر الدول الأخرى الانضمام إلى تحالف، للاستفادة من الدعم الحامي لبعضها البعض"، واشار فيدان مؤكداً ما أشرنا إليه قبل قليل وهو يهدف إلى تحقيق أحد أهدافها التاريخية، حيث يقول لا كان يومًا تاريخيًا حقًا في السياسة الخارجية التي تتجه بقيادة رئيس جمهوريتنا (رجب طيب اردوغان) وشهدنا حدثًا ما يتعلق بتحقق إحدى هذه المحطات، وثمة بعض المحطات الرئيسية التي حققناها حقاً منذ فترة سنوات طويلة".
وأشار فيدان بوضوح إلى الأهداف التركية بعد اشارته إلى الفراغ الذي خلفته هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل العسكرية أمام إيران، ثم انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط، قائلاً: "من المهم زيادة شعورنا بالملكية الإقليمية، لأن القوى القادمة من الخارج لا تحل مشكلات المنطقة بل تفاقها اكثر، وتكون التكلفة المرتفعة جدا، ويتعين على دول المنطقة ان تتجه الى نقاط مؤسسية تضمن في الواقع أمنها واستقرارها الاقتصادي وتنميتها ورفاهها بنفسها"!
2ـ الحلف اذا تكامل قد يكون محاولة أمريكية لإقامة منظومة أمنية جديدة في المنطقة، تقطع الطريق على ان انفراط الدول النفطية وغير النفطية العربية والإسلامية، من العقد الأمريكي والإسرائيلي، على أثر الهزيمة الأمريكية والإسرائيلية وفشل أمريكا في تأمين الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، واثر تكبد هاتين القوتين المتغطرسين خسائر فادحة على أيدي طهران وحلفائها، وهذا ما يؤكده الوزير التركي فيدان في تصريحاته الآنفة حيث يقول في محاولة لطمأنة الدول العربية والإسلامية بالحماية التركية والباكستانية، واعتبار القوة التركية حصانة لدول المنظمة الى الحلف فيقول فيدان: "اذا هاجمتني، فلدي قوة عسكرية بهذا الحجم، وقد أعددت نفسي وأملك هذه القوة الكبيرة، فلا تختبر قوتي. وبالتالي لا أتعرض للهجوم وأقوم بالتنمية وأمضي في مسار أكثر طبيعية من خلال حل ما لدي من مشكلات سياسية واقتصادية في المنطقة الجغرافية التي أتواجد فيها"!
الا اني فضيحة على ايدي المقاتلين في المقاومة وعلى ايدي الحرس الثوري، وهذا ما سجله فيدان وزير التركي في تصريحاته الأنف حيث يطلب في محاولة لطمأنة الدول العربية والإسلامية بالحماية التركية. والباكستانية، واعتبار القوة التركية ضمانة للدول المنضوية فيه فيقول فيدان " اذا هاجمتني ، فلدي قوة عسكرية بهذا الحجم، وقد أعددت نفسي وأملك هذه القوة الكبيرة. فلا تختبر قوتي. وبالتالي لا أتعرض للهجوم. واقوم بالتنمية وأمضي في مسار اكثر جمالية من خلال حل ما لدي من مشكلات سياسية واقتصادية في المنطقة الجغرافية التي أتواجد فيها)!
ذلك ان ما بات يقلق واشنطن، هو تزايد نزعة عملاها للبحث عن قوى جديدة يتوسلون حمايتها ودعمها لهم، كما حصل في تفكير بعض الدول الخليجية بالذهاب نحو تعزيز العلاقة مع الصين أو حتى مع الهند، وكذا الأمر بالنسبة لمصر !! لأن هذه الدول فقدت الثقة بواشنطن وتل أبيب بعد تعرضهما إلى هذه الهزيمة أمام طهران.
3- وبدون شك إن الجهة الأمريكية الداعمة للحلف وضعت في حسابها محاولة خلق تكتل من الدول السنية (المذهب)، مدعوم من الحلف الاطلسي بحكم انتماء تركيا إلى هذا الحلف الأخير، وجعل هذا تكتل في مواجهة إيران الشيعية ومحور مقاومتها وكل الشيعة في المنطقة، لأن الصهاينة أعادوا النظر في استراتيجيتهم في مواجهة العالم الإسلامي، ذلك بوضع الشيعة كهدف أولي وملح للقضاء عليهم!! وعلى اساس هذه الخلفية زاد تحرك الصهاينة والأمريكان لإثارة الفتنة المذهبية في المنطقة، ومحاولة استنزاف الأمة بهذه الحرب القذرة إن وقعت لا سمح الله بذلك! لأن واشنطن وتل أبيب بعد هزيمتهما أمام طهران ادركا أنه لا يمكن مواجهة هذا التحدي إلا بإثارة الفتن واستنزاف المسلمين بالحروب الداخلية.
وبغض النظر عن مستقبل هذا الحلف، وعما إذا كان فاعلاً أو مجرد بالون اعلامي، فانه يؤشر الى عدة أمور مهمة منها يلي:
1ـ اعتراف أمريكي صريح بالعجز عن حماية حلفائهم، ذلك ان العدوان الامريكي الصهيوني على طهران استنزف القدرات الامريكية وكشف عورات القوة فيها، وتبين أن هذه القوة غير قادرة على حماية الكيان الصهيوني!! وبالتالي فان ادعاءات ترامب بحماية الأنظمة العربية والخليجية النفطية لشفط المال الذي شفطه منهم، لم تكن سوى ادعاءات مضللة، ومجرد أوهام انخدعت بها هذه الأنظمة البائسة طيلة هذه العقود، ولذلك فأن مايكل فوكس المستشار السابق في إدارة جو بايدن اعتبر في مقاله في صحيفة (فورين افيرز) الأمريكية العالمية ـ السياسة الخارجية - اعتبر ان الاستراتيجية الأمريكية فشلت في المنطقة واعتبر أيضاً أن العدوان على طهران كارثة استراتيجية كبرى" وفعلاً أن التصدي الإيراني للعدوان، وتدمير القوة الإيرانية للقواعد العسكرية الامريكية في المنطقة كشف بوضوح ان امريكا غير قادرة على حماية قواعدها فكيف تحمي حلفائها وعملائها ؟؟ ولعل (صحيفة الفايننشال تايمز) البريطانية اكثر وضوحاً في الاشارة الى هذا السياق، اذ نقلت الصحيفة عن المعلق السعودي المقرب من الديوان الملكي علي شهابي قوله: "ان التحالف الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان يعكس ادركا متزايداً لدى العواصم الثلاث بأن قدرة الردع الأمريكية تراجعت بصورة ملحوظة، وان التعامل مع التهديد (الإيرانية) سيعتمد بشكل أكبر على تعاون القوى الاقليمية نفسها"! على حد قوله.
2ـ الاعتراف الأمريكي الصريح بفشل المشروع الأمريكي الصهيوني القاضي كما أشرنا بالتوسع الجغرافي الصهيوني في المنطقة وبتسيّيد العدو على دول تلك المنطقة وهذا ما اعترف به كبار المحللين والخبراء الأمريكيين والغربيين أيضاً...
3- خوف وقلق الأمريكيين من تفرد طهران في التحكم بالموضوع الأمني في المنطقة، لأن الأمريكي بات مقتنعاً أن حربه وعدوانه بمعية العدو الصهيوني، فاشلة، ولم تحقق له أي من الأهداف، فيما ستبرز ايران القوة الرئيسية والصاعدة في المنطقة، وهذا ما يؤكده أيضاً، العديد من الخبراء والمحللين في المنطقة والعالم، يقول بعضهم ان حلف مكة هو "إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط وآسيا؛ سيؤدي هذا الحلف إلى خلق توازن استراتيجي يمنع أي قوة إقليمية أو دولية من محاولة فرض هيمنتها أو ابتزاز دول المنطقة أمنيا وسياسياً"!!