عاجل:
سقوط عقيدة «نقل الحرب إلى الداخل»: من عنجهية التهديد ومليارات كوشنير إلى اضطرار الاستجداء في طهران
حدث وتحليل 2026-10-26 16:10 706 0

سقوط عقيدة «نقل الحرب إلى الداخل»: من عنجهية التهديد ومليارات كوشنير إلى اضطرار الاستجداء في طهران

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

مدخل: خريف العواصم وانهيار أوهام القوة المطلقة

في تاريخ الصراعات الإقليمية، غالباً ما تفصل مسافة قصيرة جداً بين لغة الغرور المطلق والاعتراف الواقعي بالهزيمة.

فقبل سنوات قليلة، وفي عزّ الطفرة النفطية وتدفق الصفقات المليارية الفلكية لشراء حماية البيت الأبيض، خرج رأس الهرم السياسي والعسكري في الرياض (محمد بن سلمان في أيار/مايو 2017 عبر شاشة الإخبارية الرسمية) ليطلق خطابه العنجهي الشهير الذي حفر في الذاكرة السياسية:

“لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لكي تكون المعركة عندهم في إيران وليس في السعودية”.

رافضاً أي أفق للحوار مع طهران وشارحاً استراتيجية “استئصال النفوذ”.

يومها، فُتحت الخزائن السعودية بلا حساب أمام الإدارة الأمريكية؛ فكانت صفقات السلاح التاريخية التي هندسها جاريد كوشنير بمئات مليارات الدولارات ($110 مليارات عاجلة ونحو $350 ملياراً على مدار عقد كامل)، تحت شعار “دفع الثمن مقابل الحماية”.

حُشدت الآلات الإعلامية، وشُيطنت طهران، وأُشعلت الفتن الطائفية، وفُرض الحصار، وتوعدت الرياض بنقل المعركة إلى قلب العاصمة الإيرانية.

 

أولاً: الميدان يكلمهم — سقوط الرهانات الخاطئة

لكن “منطق الجغرافيا والميدان” أثبت قسوةً وجفافاً أمام الحسابات الوهمية لقصور الحكم.

1.       عزلة الحلفاء والتخلي الغربي: عندما وضعت المواجهة أوزارها وتكسرت جبهات المرتزقة والعدوان على أعتاب صمود الجبهة اليمنية، وعندما طالت الصواريخ والمسيرات من صنعاء عمق المنشآت النفطية والاقتصادية الحساسة، أدرك النظام السعودي أن واشنطن ولندن لا تقدمان سوى الوعود العابرة، وأن حماية العروش لا تُشترى بالصكوك المليارية التي ابتلعتها خزائن ترامب وكوشنير.

2.       عجز القوة العسكرية المطلقة: برغم ميزانية دفاعية تجاوزت 83 مليار دولار سنوياً، عجزت الترسانة السعودية الغربية عن تأمين المجال الحيوي للمملكة، فتبخرت أحلام “نقل الحرب إلى طهران”، وتحولت إلى حرب دفاع مستميت لا تجد مخرجاً سوى الستر.

 

ثانياً: الانعطافة المخزية — من التهديد إلى البحث عن الوساطة في طهران

لم يكن المشهد السياسي صدفةً، بل تتويجاً لمسار طويل من الانكسار الاستراتيجي.

فالرياض التي رعت طويلاً خطابات التهديد والوعيد، وجدت نفسها مضطرة لطي صفحة الغرور والتوجه صاغرةً إلى طهران.

التطورات السياسية والدبلوماسية الماثلة تكشف هذا التحول الدراماتيكي:

  • وفود التوسّل والتبريد: اضطرار النظام السعودي، من خلال تحركات دبلوماسية مكثفة (مثل زيارات الوفود رفيعة المستوى إلى طهران عبر أطر التنسيق الإقليمية لخفض التوتر)، إلى السعي الحثيث لطلب الوساطة الإيرانية، والبحث عن مخرج يحمي منشآته وطاقته من ضربات لا طاقة له باحتمالها.
  • سقوط ورقة التوت: إن ذهاب الرياض للتفاوض من موقع الضعف الميداني لا يعبر عن “رغبة حقيقية في السلام العادل”، بل عن هزيمة استراتيجية لعقيدة صدام الحضارات التي قادها ولي العهد، حيث أدرك النظام أن بقاءه واستمراره معلقان برحمة التهدئة الإقليمية التي تملك إيران ومحور المقاومة مفاتيحها الكبرى.

 

ثالثاً: الحذر الواجب — بين «الابتسام الدبلوماسي» و«عقيدة الغدر»

إن التراجع السياسي للرياض والنزول من شجرة التهديدات العنترية إلى طاولة المباحثات في طهران هو دليل قاطع على صوابية مسار الصمود والمواجهة.

ولكن، في قواعد الصراع الاستخباري والسياسي، لا يُؤمن للدكتاتور المأزوم جانب.

فالنظام السعودي الذي هُزم سياسياً وميدانياً، والذي أُحرقت ملياراته عبثاً في مشاريع التخريب، لا يغير طبيعته الأمنية القمعية.

إن تراجع الضجيج الإعلامي المعادي لا يعني توقف الكيد الخفي؛ بل إن اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية قد يكون في كثير من الأحيان مجرد «غطاء استراتيجي ناعم» تستميت خلفه أجهزة الاستخبارات (السعودية ومن معها) لتفعيل خطط بديلة، وتقنيات التجسس، وتجنيد الجواسيس، وحياكة الاغتيالات في الخفاء.

 

خلاصة القول:

سقطت عقيدة “نقل الحرب إلى إيران” تحت ضربات الواقع، وانهارت مليارات كوشنير على صخرة الصمود، ووقف النظام السعودي عارياً أمام استحقاقات الهزيمة، ملتمساً التهدئة من طهران.

غير أن التاريخ يعلمنا أن الخصم المكسور سياسياً هو الأشد خطورة أمنياً؛ وعليه:

 فإن أعلى درجات اليقظة، وتحصين الجبهة الداخلية، وإحباط المكامن الخفية، تظل هي الضمانة الأكيدة لحماية إنجازات هذه الأمة المسحوقة في وجه غدر آل سعود ومن ورائهم.

آخر الاخبار