عاجل:
اختبار مكة!
من الإعلام 2026-08-10 16:45 253 0

اختبار مكة!

ولهذا فإن أي محاولة لبناء ترتيبات أمنية جديدة يجب أن تأخذ في الاعتبار أن الممرات البحرية لا تُحمى بالقوة العسكرية وحدها. فالقوة قد تحمي سفينة، لكنها لا تستطيع دائماً إزالة الأسباب السياسية التي تدفع طرفاً ما إلى تهديد الملاحة. وهنا تكمن معضلة السعودية.

 

 

 

 

نجاح محمد علي

لا يمكن اعتبار اتفاق الدفاع المشترك الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة مجرد حدث بروتوكولي جديد في سجل التحالفات الإقليمية. فالنص الذي يعتبر أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، يفتح الباب أمام إعادة تعريف مفهوم الأمن في غرب آسيا، خصوصاً إذا انتقل الاتفاق من مستوى الإعلان السياسي إلى بناء آليات عسكرية واستخبارية وعملياتية مشتركة.

لكن السؤال الأهم ليس: هل يستهدف الاتفاق إيران واليمن والعراق ؟ فهذا استنتاج لا يمكن الجزم به من النص المعلن، بل إن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال صراحة إن الاتفاق ليس موجهاً ضد إيران أو أي دولة بعينها. السؤال الأكثر أهمية هو: من ستتغير حساباته نتيجة هذا الاتفاق؟

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

الاتفاق جاء بعد سنوات من التفاوض، وليس قراراً مرتجلاً وُلد في ساعات. وفي الوقت نفسه، يأتي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، شهدت اهتزازاً في قواعد الردع التقليدية، وتنامياً في أهمية القوة الصاروخية والمسيّرات، وتحول الممرات البحرية من مجرد طرق للتجارة إلى أوراق ضغط استراتيجية.

السعودية، من جهتها، لا تبدو وكأنها تريد قطع صلتها بالولايات المتحدة رغم اقتناعها بأنها عجزت عن حمايتها وربما تخطط للانسحاب من المنطقة في ضوء هزيمتها أمام ايران؛ بل الأرجح أنها تريد توسيع هامش الخيارات. فالاعتماد على حليف واحد في بيئة أمنية متقلبة يحمل مخاطرة استراتيجية، حتى لو ظل ذلك الحليف هو الأقوى عسكرياً.

وهنا تأتي أهمية تركيا وباكستان.

تركيا تمنح المعادلة ثقلاً عسكرياً وصناعياً وجغرافياً، بينما تضيف باكستان عمقاً آسيوياً وقدرات عسكرية مختلفة، في حين تمتلك السعودية المال والطاقة والموقع الجغرافي والنفوذ السياسي. وبالتالي فإن جمع هذه العناصر الثلاثة لا ينتج بالضرورة «ناتو شرق أوسطياً»، لكنه يؤسس لشبكة ردع يمكن أن تتطور إذا توفرت لها قيادة واتصالات ومناورات وتبادل معلومات واستخبارات مشتركة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي.

فالاتفاقيات لا تصنع التحالفات وحدها؛ الاختبارات الميدانية هي التي تفعل ذلك.

إذا تعرضت السعودية لهجوم، هل تتحرك تركيا وباكستان تلقائياً؟ وما حجم المساعدة؟ وهل تكون عسكرية مباشرة أم سياسية ولوجستية؟ وهل توجد آلية قيادة مشتركة؟ وهل هناك تعريف واضح لمن يبدأ العدوان ومن يستحق المساندة؟

هذه التفاصيل أهم بكثير من الصور التي جمعت قادة الدول الثلاث في مكة بما انطوت عليه من رمزية.

واللافت أن تركيا نفسها قدمت الاتفاق بوصفه قريباً تقنياً من مبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة لحلف الناتو، مع التأكيد على وجود آليات للتشاور بشأن شكل ومستوى الدعم. كما يجري الحديث عن إمكانية توسيع الاتفاق ليشمل دولاً أخرى، بينها مصر.

وهنا يصبح السؤال أكثر اتساعاً: هل نحن أمام بداية منظومة أمنية إقليمية جديدة؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن إيران و اليمن بشكل كبير، ستكون من أكثر الدول التي تراقب التطورات، ليس لأن الاتفاق أعلن عداءه لها، بل لأن أي تغيير في توزيع القدرات العسكرية حول الخليج الفارسي سيؤثر حتماً في حسابات طهران وصنعاء وتداعيات ذلك على بغداد.

إيران تمتلك في المقابل أوراقاً استراتيجية لا يمكن تجاهلها، وفي مقدمتها الجغرافيا ومضيق هرمز، إضافة إلى قدراتها الصاروخية وشبكة علاقاتها الإقليمية. ولذلك فإن أي منظومة أمنية جديدة في الخليج ستواجه سؤالاً بالغ الصعوبة: كيف يمكن بناء الردع من دون تحويله إلى سبب لحرب جديدة؟

وهنا نصل إلى البحر الأحمر وباب المندب.

فالمعادلة الأمنية لم تعد محصورة في الخليج. ما يحدث في البحر الأحمر يرتبط بصورة متزايدة بأمن الخليج، وبأسواق الطاقة، وبطرق التجارة الدولية، وبحسابات تركيا والسعودية وإيران واليمن.

ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن هرمز وباب المندب في إطار واحد ليس مبالغة جغرافية. كلاهما يمثل عقدة استراتيجية في منظومة التجارة والطاقة العالمية، لكن لكل منهما طبيعة مختلفة. هرمز مرتبط مباشرة بأمن صادرات الطاقة الخليجية، بينما أصبح باب المندب والبحر الأحمر مرتبطين بأمن الملاحة العالمية وبالصراع اليمني وبالتوترات الإقليمية.

ولهذا فإن أي محاولة لبناء ترتيبات أمنية جديدة يجب أن تأخذ في الاعتبار أن الممرات البحرية لا تُحمى بالقوة العسكرية وحدها. فالقوة قد تحمي سفينة، لكنها لا تستطيع دائماً إزالة الأسباب السياسية التي تدفع طرفاً ما إلى تهديد الملاحة.

 

وهنا تكمن معضلة السعودية.

فإذا تحول اتفاق مكة إلى مظلة عسكرية أوسع، ثم ارتبط بأمن البحر الأحمر، فإن صنعاء ستقرأ ذلك من زاوية مختلفة تماماً. أما إذا جرى التعامل معه باعتباره إطاراً دفاعياً بين الدول الثلاث، فقد يبقى تأثيره محدوداً على الملف اليمني.

لذلك يجب الحذر من القفز فوق نتيجة تقول إن «تحالف مكة يستهدف صنعاء أو إيران». المعطيات الحالية تسمح بهذا الجزم، و تسمح بسؤال أكثر ذكاءً: هل يمكن أن تصبح إيران واليمن من أهم العوامل التي تحدد المسار المستقبلي لهذا التحالف؟

الجواب المحتمل هو نعم.

فإذا بقي الاتفاق سياسياً، فلن يغير كثيراً في ميزان القوى. أما إذا تحول إلى تعاون استخباري، ودفاع جوي مشترك، وتنسيق بحري، ومناورات، وقواعد اتصال وقيادة، فإن المنطقة ستكون أمام واقع مختلف.

وهنا تدخل باكستان في الحسابات بصورة خاصة.

إسلام آباد ليست دولة إضافية في اتفاق سعودي–تركي . فهي دولة تمتلك علاقات تأريخية مع السعودية، وهي التي بدأت أبرمت اتفاق الدفاع المشترك بين إسلام آباد و الرياض وفي الوقت نفسه لديها علاقات وحسابات مستقلة تجاه إيران والهند والولايات المتحدة والصين. ولذلك سيكون من الخطأ افتراض أن باكستان ستتحول تلقائياً إلى طرف في أي مواجهة مع إيران لمجرد توقيع الاتفاق.لكن هل يمكن لطهران الاطمئنان إلى قائد الجيش الممسك بكل السلطة والذي أسقط رئيس الوزراء السابق عمران خان فقط لانه سحب الجيش الباكستاني من الحدود اليمنية السعودية، كما رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني.

الأمر نفسه ينطبق نسبيًا على تركيا.

فأنقرة تستطيع التعاون مع الرياض وإسلام آباد، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قنواتها الاقتصادية والسياسية مع طهران. هذه البراغماتية التركية تحديداً قد تكون أحد عناصر قوة الاتفاق، لكنها قد تكون أيضاً أحد قيوده؛ لأن المصالح المختلفة للدول الثلاث قد تجعل تحويل الاتفاق إلى كتلة استراتيجية صلبة أمراً أكثر تعقيداً.

أما السعودية، فهي أمام معادلة دقيقة: تريد قوة ردع أكبر من دون حرب جديدة.

وهذا يفسر ربما أهمية توقيت الاتفاق أكثر من فكرة الاتفاق نفسها.

فالردع الناجح لا يعني أن تمتلك الدولة أكبر عدد من الطائرات والصواريخ، بل أن تجعل خصمها يقتنع بأن تكلفة الهجوم ستكون مرتفعة. لكن الردع يتحول إلى مشكلة عندما لا يعود واضحاً أين تنتهي خطوطه الحمراء وأين يبدأ التصعيد.

ومن هنا سيكون على طهران أن تختار بين الاحتواء والتصعيد.

والخيار الأكثر عقلانية قد لا يكون المواجهة، بل منع تحول الاتفاق إلى منظومة مغلقة. فتح قنوات سياسية مع السعودية وتركيا، وتعزيز العلاقات مع العراق وسلطنة عُمان وقطر، والحفاظ على قنوات التواصل الإقليمي ، كلها أدوات قد تكون أكثر فاعلية من الرد العسكري المباشر.

وفي المقابل، فإن السعودية أيضاً لا تستطيع تجاهل حقيقة أن أي ترتيبات أمنية جديدة قد تدفع خصومها إلى إعادة بناء حساباتهم، والتفكير ببناء تحالف قوي من العراق واليمن.

أما اليمن، فقد أثبت خلال سنوات الحرب أن الجغرافيا لا يمكن تجاوزها بالبيانات. وقد تحولت الملاحة في البحر الأحمر إلى جزء أساسي من الصراع الإقليمي، فيما بقيت الأزمة الإنسانية اليمنية واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في العالم.

لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يرافق اتفاق مكة ليس فقط: من الأقوى؟

بل: من يستطيع استخدام قوته من دون إشعال حرب جديدة؟

من مكة إلى هرمز، ومن باب المندب إلى أنقرة وإسلام آباد والرياض، يبدو أن غرب آسيا يدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع الأدوار.

قد يكون اتفاق مكة بداية منظومة أمنية جديدة، وقد يبقى مجرد تفاهم سياسي متقدم.

لكن الحقيقة الوحيدة التي يمكن قولها الآن هي أن الاختبار لم يبدأ يوم توقيع الاتفاق، بل سيبدأ عندما تقع أول أزمة.

عندها فقط سنعرف: هل وُلد في مكة تحالف حقيقي، أم مجرد ورقة جديدة في دفتر التحالفات الإقليمية؟

باحث متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية

آخر الاخبار