عودة كابوس 11 سبتمبر إلى الواجهة: ورقة ابتزاز على طاولة البيت الأبيض
بينما كانت واشنطن ونيويورك تحييان الذكرى السنوية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قنبلة سياسية وإعلامية لم تكن وليدة الصدفة؛ فخلال توقفه في مطار «شانون» بإيرلندا وقبيل صعوده إلى طائرة الرئاسة عائداً إلى واشنطن، صرّح ترامب للصحفيين وبشكل مباشر بأنه «سيدرس بجدية» طلباً ملحاً تقدمت به عائلات ضحايا 11 سبتمبر للإفراج عن أدلة ووثائق سرية جديدة، خاصة تلك التي تبحث فيما إذا كان لمنفذي الهجمات أي ارتباط مباشر بأجهزة أو مسؤولين في الحكومة السعودية.
لم تكن هذه الكلمات العابرة مجرد تعاطف بروتوكولي مع أسر الضحايا، بل جاءت في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، لتعيد تحريك واحد من أخطر الملفات العالقة وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ العلاقات بين واشنطن والرياض.
إن التلويح بنزع غطاء السرية عن شبكات الدعم اللوجستي وحسابات التمويل القديمة يمثل، في واقعه السياسي، إشهاراً لـ «كارت أحمر» وأداة ضغط قضائي ومالي خانقة؛ سلاح تلوّح به الإدارة الأمريكية لتهديد الأصول السيادية السعودية وجعلها تحت رحمة المحاكم الأمريكية، في محاولة صريحة لإجبار صانع القرار في الرياض على الجلوس إلى طاولة المساومات وتقديم تنازلات كبرى لا تحتمل التأجيل.
أولاً: التطبيع والمحور الإقليمي… مقايضة وجودية في مرحلة ما بعد «طوفان الأقصى»
في أعقاب عملية «طوفان الأقصى» وتصاعد التوترات الإقليمية، تعثر المسار الذي كانت تدفع به واشنطن وتل أبيب لدمج المملكة في منظومة «الاتفاقيات الإبراهيمية».
ومع إصرار الرياض العلني على ربط التطبيع بمسار إقامة دولة فلسطينية، يبدو أن واشنطن تعود إلى أسلوبها المفضل: الابتزاز التكتيكي.
المعادلة المطروحة خلف الكواليس واضحة المعالم:
1. تجميد الملفات القضائية وتأمين الأصول: استخدام صلاحيات السلطة التنفيذية لعرقلة تداعيات قانون «جاستا» وحماية الأصول السعودية من أحكام المصادرة والتعويضات الفيدرالية.
2. الثمن المطلوب: الذهاب إلى تطبيع علني مع إسرائيل وتوظيف المكانة الدينية للمملكة لكسر العزلة عن تل أبيب، والانخراط في تحالف دفاعي وأمني إقليمي لمواجهة إيران وحلفائها، وتأمين غطاء عسكري ضد هجمات جماعة أنصار الله (الحوثيين).
ثانياً: معضلة الاستنزاف العسكري وسقوط الردع في العمق (مطار الرياض كنموذج)
واجهت السياسة العسكرية السعودية اختباراً كاشفاً على جبهة اليمن، وهو ما تجلى بوضوح صارخ في الضربات الأخيرة؛ إذ لم يعد التهديد مجرد مناوشات حدودية، بل تحول إلى اختراق مباشر لشرايين العاصمة الرياض:
ثالثاً: الأزمة الاقتصادية وتراجع الرهان على المشاريع الكبرى
على الصعيد الاقتصادي الداخلي، تتصاعد التحديات البنيوية التي تعيق مسار التحول المعلن، لا سيما مع تجدد المخاطر الأمنية:
رابعاً: مركزية السلطة وتصدع التوازن داخل الأسرة والمجتمع
داخلياً، شهدت بنية الحكم تحولاً جذرياً من «الحكم التوافقي المؤسسي» القائم على توزيع مراكز القوى بين أجنحة آل سعود، إلى «الحكم الفردي المُطلَق»:
خاتمة: كل الطرق تشير إلى مأزق مركب… فهل يصمد النظام؟
عند تجميع خيوط المشهد: ابتزاز أمريكي فجّ بملفات الإرهاب والتعويضات (11 سبتمبر)، استنزاف عسكري مكشوف وصلت نيرانه إلى مطار العاصمة الرياض، ضغوط اقتصادية متصاعدة وتعثر للمشاريع الكبرى، وتصدعات مكتومة داخل البيت الحاكم؛ تتجه القراءة الموضوعية إلى أن النظام السعودي يقف أمام مفترق طرق وجودي.
لقد أصبح صانع القرار في الرياض مجبراً على الاختيار بين تقديم تنازلات كبرى تمس شرعيته وسيادته (عبر التطبيع والانخراط الكامل في الحلف الأمريكي-الإسرائيلي)، أو مواجهة العزلة والضربات الميدانية المتلاحقة في ظل تآكل مساحات المناورة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه على مستقبل المنطقة:
هل يمتلك محمد بن سلمان—بصيغته المركزية الفردية—مقومات الصمود وامتصاص هذه الصدمات المتزامنة داخلياً وخارجياً، أم أن كلفة الحماية الخارجية المتصاعدة والهشاشة الأمنية في الداخل ستقودان إلى نقطة الانفجار التي تعصف باستقرار بنية الحكم برمتها وتطيح بكل العائلة؟!