لم تعد الأزمة الراهنة في السعودية مجرد تذبذب مؤقت في أسعار النفط، أو تأخر طبيعي في مشاريع كبرى؛ بل تحولت إلى مأزق شامل يضرب في وقت واحد ثلاثة أركان أساسية:
عصب الاقتصاد،
وأمن تصدير الطاقة،
وشريان تأمين الغذاء.
وبينما تسعى الرياض جاهدة لترويج صورة دولة تقود تحولاً عالمياً، تثبت الوقائع الميدانية أن الدولة تعيش حالة “انكشاف استراتيجي” حاد، يضع تجربة الحكم الفردي المطلق أمام أول اختبار حقيقي بلا مجاملات.
أولاً: سقوط فرضية “الملاذ الآمن”… ضربات ينبع والشلل المزدوج
لسنوات طويلة، بنى المخططون استراتيجيتهم على فرضية أساسية:
أن ساحل البحر الأحمر في الغرب هو البديل الآمن لمخاطر الخليج ومضيق هرمز.
لكن الضربات الأخيرة التي استهدفت مجمع البتروكيماويات ومحطات الضخ في ينبع أسقطت هذه الفرضية:
1. الوقوع في “الكماشة”: إن تعطل خط «شرق-غرب» وتهديد موانئ ينبع يعني محاصرة الصادرات؛ فلا الخليج العربي بات آمناً، ولا البحر الأحمر بقي ممراً محمياً.
2. شريان الاستيراد المهدد: النقطة الأخطر هي اعتماد السعودية على الاستيراد لتأمين أكثر من 80% من احتياجاتها الأساسية، تهديد الموانئ لا يوقف بيع النفط فحسب، بل يهدد بقطع شريان الحياة الغذائي والدوائي.
ثانياً: فخ السيولة… الاقتراض كخيار وحيد
مالياً، انتقلت المملكة من زمن الفوائض إلى زمن الاستدانة لسد العجز:
ثالثاً: انحسار الأوهام الاستثمارية… كلفة الاستعراض
تحولت المشاريع الكبرى من أدوات “لإبهار الخارج” إلى نزيف مالي مستمر:
رابعاً: غياب صمامات الأمان… اختزال الدولة في شخص
لماذا تعجز الدولة عن تصحيح المسار؟
1. تصفية المؤسسات: في السابق، كانت هناك أجهزة ومجالس تزن القرارات، اليوم، بعد تهميش المؤسسات البيروقراطية والعائلات التجارية الكبرى، فُقدت كل أدوات الرقابة والتقييم العقلاني.
2. استحالة الاعتراف بالخطأ: في نظام يختصر الدولة في فكرة “الزعيم الملهم”، يصبح الاعتراف بالخطأ ممنوعاً لأنه يخدش الصورة المصنوعة، فيكون الحل دائماً هو “الهروب للأمام” والمقامرة بمزيد من القرارات غير المحسوبة.
خامساً: انهيار مظلة الحماية… سقوط أسطورة الردع
المفاجأة الاستراتيجية التي واجهت الرياض هي انكشاف ظهرها أمام الحلفاء:
الخلاصة
ما يحدث اليوم ليس مجرد تراجع مؤقت في الأرقام، بل هو لحظة انكشاف شامل.
لقد استُنزفت طاقة المؤسسات في تمجيد القرار الواحد بدلاً من تحصين الاقتصاد.
وحين جاء الاختبار الحقيقي، لم تجد الرياض حولها حليفاً خارجياً يمكن الوثوق به، ولا صمامات أمان مؤسسية داخلية قادرة على امتصاص الصدمة.
المشكلة أصبحت في طريقة الحكم التي جردت الدولة من عقولها ومؤسساتها، وتركتها تواجه عواصف المنطقة بقرار فردي وحيد، لا يقبل النصيحة ولا يملك حلولاً حقيقية.