عاجل:
يسألونك عن العدوان السعودي على العراق
الاخبار 2026-08-03 07:28 647 0

يسألونك عن العدوان السعودي على العراق

توقيت الضربات، وغياب الأدلة الفنية المنشورة، والتناقض بين إعلان دعم الحكومة العراقية واستهداف أراضيها، تثير أسئلة مشروعة حول احترام السيادة العراقية وحدود استخدام القوة في القانون الدولي.

بقلم: حسام الربيعي/ العراق...

 

توقيت الضربات، وغياب الأدلة الفنية المنشورة، والتناقض بين إعلان دعم الحكومة العراقية واستهداف أراضيها، تثير أسئلة مشروعة حول احترام السيادة العراقية وحدود استخدام القوة في القانون الدولي.

 

لا تكمن خطورة العدوان السعودي – الأميركي الأخير على العراق في حجم الخسائر التي خلّفها فحسب، وإنما في الأسئلة السياسية والقانونية التي أثارها بشأن احترام سيادة الدول، وحدود استخدام القوة، والتناقض بين الخطاب السياسي والممارسة العسكرية.

 

فحق أي دولة في الدفاع عن أمنها القومي حق تكفله قواعد القانون الدولي، إلا أن ممارسته ليست حقاً مطلقاً، بل تقيده مبادئ الضرورة والتناسب واحترام سيادة الدول، مع استنفاد الوسائل السياسية والديبلوماسية كلما كان ذلك ممكناً.

 

كما أن المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وإن أقرت حق الدفاع عن النفس، فإنها لم تجعل منه مبرراً مفتوحاً لتجاوز سيادة الدول أو الإعفاء من تقديم الأساس القانوني الذي يبرر استخدام القوة.

 

وقد جاء توقيت العملية ليضيف بُعداً سياسياً بالغ الحساسية، إذ تزامنت مع الزيارة المرتقبة لرئيس مجلس الوزراء العراقي، السيد علي فالح الزيدي، إلى المملكة العربية السعودية، وهي زيارة كان يُعوَّل عليها في فتح صفحة جديدة من التعاون الأمني والسياسي بين البلدين.

 

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت لدى الرياض معلومات استخبارية تؤكد انطلاق الهجمات من الأراضي العراقية، فلماذا لم تُعرض تلك المعلومات على الحكومة العراقية أولاً، بما يتيح لها اتخاذ الإجراءات القانونية والأمنية اللازمة قبل اللجوء إلى الخيار العسكري؟ إن تقديم الأدلة إلى بغداد كان من شأنه أن يمنحها فرصة الاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية، وأن يرسخ مبدأ التعاون الأمني بين الدول، بدلاً من أن يسبق استخدام القوة المسار السياسي.

 

وتزداد هذه التساؤلات أهمية في ضوء الموقف الأميركي. فقد أكدت الإدارة الأميركية في أكثر من مناسبة دعمها للحكومة العراقية، والإشادة بجهودها في ترسيخ الاستقرار وتعزيز مؤسسات الدولة.

 

إلا أن هذا الخطاب يبدو في موضع اختبار عندما تعلن القيادة المركزية الأميركية مشاركتها في تنفيذ ضربات داخل الأراضي العراقية بالتنسيق مع السعودية.

 

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في المقاربات الأمنية، بل بتساؤل جوهري حول كيفية التوفيق بين إعلان دعم الحكومة العراقية وبين تنفيذ عمل عسكري على أراضيها من دون إعلان موافقتها أو التنسيق معها بصورة معلنة.

 

ويزداد هذا التناقض وضوحاً عند النظر إلى المنهاج الحكومي، الذي جعل من حصر السلاح بيد الدولة واستكمال إنهاء مهمة التحالف الدولي والانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية بما يفضي إلى إنهاء الوجود العسكري الأجنبي ركيزتين أساسيتين في مشروعه السياسي.

 

ومن ثم، فإن أي عمل عسكري خارجي داخل العراق، ولا سيما إذا استهدف تشكيلات أمنية رسمية، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى انسجامه مع دعم هذا المنهاج، وحول الرسائل التي يبعث بها إلى مؤسسات الدولة والرأي العام بشأن قدرة الحكومة على ممارسة ولايتها الكاملة على أراضيها، وتعزيز ثقة المواطنين بمسار بناء الدولة.

 

أما الركيزة الأكثر أهمية في هذه القضية فتتمثل في الأدلة التي استندت إليها الرواية السعودية.

 

فمن حق أي دولة أن تدافع عن أمنها إذا تعرضت لاعتداء، لكن من حق المجتمع الدولي، ومن حق الدولة التي وقع استخدام القوة داخل أراضيها، الاطّلاع على الأساس الذي بُني عليه هذا القرار.

 

وحتى الآن، لم تُنشر للرأي العام أدلة فنية متكاملة تتضمن مسارات الرادار، أو صور الأقمار الصناعية، أو تحديد مواقع الإطلاق، أو بيانات تتعلق بمسار الطائرات المسيّرة، بما يسمح بالتحقق المستقل من صحة الرواية المعلنة.

 

كما لم يُعلن رسمياً عن تسليم الحكومة العراقية ملفاً متكاملاً بالأدلة قبل تنفيذ الضربات، وهو ما يجعل التساؤل قائماً، لا بشأن حق السعودية في حماية أمنها، وإنما بشأن الإجراءات التي سبقت استخدام القوة، ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.

 

وفي القانون الدولي، لا يكفي الادعاء بوجود تهديد لتبرير استخدام القوة، بل ينبغي أن يكون هذا الاستخدام مستنداً إلى معايير واضحة، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً، وأن يُقدَّم ما يدعم مشروعيته.

 

ومن المبادئ المستقرة أن عبء إثبات مشروعية استخدام القوة يقع على عاتق الدولة التي استخدمتها، لا على عاتق الدولة التي وقع استخدام القوة داخل أراضيها.

 

ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة بغداد بالاطلاع على الأدلة ليست موقفاً سياسياً، بل هي حق سيادي وقانوني ينسجم مع قواعد العلاقات الدولية، ويؤسس لتعاون أمني يقوم على الثقة والشفافية لا على الإجراءات الأحادية.

 

كما يثير اتساع نطاق المواقع المستهدفة داخل العراق سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ما هو الأساس الاستخباري الذي ربط جميع تلك المواقع بالهجوم المعلن؟

 

وهل كانت هناك أدلة مستقلة تخص كل موقع، أم أن الاستهداف استند إلى تقديرات استخبارية لم يُكشف عنها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تخدم العراق وحده، بل تخدم أيضاً مبدأ الشفافية والمساءلة الذي ينبغي أن يرافق أي استخدام للقوة العسكرية، لما يترتب عليه من آثار سياسية وأمنية تتجاوز حدود العملية نفسها.

 

إن استقرار العراق لا يتحقق بتجاوز مؤسساته، وإنما بتعزيز قدراتها، ودعم حكومته في أداء مسؤولياتها الدستورية، واحترام سيادته بوصفها الأساس الذي تُبنى عليه علاقاته مع محيطه الإقليمي وشركائه الدوليين.

 

وإذا كانت حماية الأمن الإقليمي هدفاً مشروعاً ومشتركاً، فإن الطريق إلى تحقيقه يمر عبر تبادل المعلومات، والتعاون الأمني، والاحتكام إلى القانون الدولي، لا عبر خطوات قد تُضعف الثقة المتبادلة، أو تمنح الانطباع بأن العمل العسكري أصبح بديلاً عن التنسيق مع الدولة المعنية.

 

وفي المحصلة، لا يدور النقاش حول حق السلطات السعودية في الدفاع عن أمنها، ولا حول أهمية مكافحة أي تهديد عابر للحدود، بل حول الكيفية التي يُمارس بها هذا الحق، ومدى اتساقها مع قواعد القانون الدولي واحترام سيادة العراق.

 

وستظل الأسئلة قائمة إلى أن تُقدَّم إجابات واضحة ومدعومة بالأدلة: إذا كانت المعلومات الاستخبارية مؤكدة إلى هذا الحد، فلماذا لم تُعرض على بغداد قبل استخدام القوة؟ وكيف يمكن الحديث عن دعم الحكومة العراقية في الوقت الذي تُتخذ فيه إجراءات عسكرية تمس سيادتها وتُلقي بظلالها على برنامجها في ترسيخ سلطة الدولة؟

 

إن سيادة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما أيضاً بمدى احترام المجتمع الدولي لها.

 

وإذا كان الأمن الإقليمي مسؤولية مشتركة، فإن احترام سيادة العراق يجب أن يكون نقطة الانطلاق، لا أول ضحايا الأزمات، لأن بناء شراكات مستقرة لا يتحقق باستخدام القوة وحدها، بل بالثقة المتبادلة، والشفافية، والالتزام الصارم بالقانون الدولي.

 

آخر الاخبار