المقدمة: الحدث والتوقيت المريب
في السابع من أغسطس/آب 2026، وقّعت السعودية وباكستان وتركيا في مكة المكرمة «اتفاقية الدفاع المشترك»، لتشكّل أول حلف إسلامي ثلاثي يتبنّى لغة شبيهة بلغة «الناتو» بحرفيتها:
«أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعدّ هجوماً على الجميع».
لكن السؤال ليس: ما هو الحلف؟
بل: لماذا الآن تحديداً؟
الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي يبلغ من العمر تسعين عاماً تقريباً، خرج من المستشفى في يناير/كانون الثاني 2026 بعد إصابته بالتهاب رئوي حاد واضطرابات قلبية. وفي فبراير/شباط من العام نفسه، ألغى ولي العهد محمد بن سلمان زيارة رسمية إلى اليابان بسبب «تدهور صحة والده».
الموت متوقع، والخلافة ليست مضمونة.
وفي هذه اللحظة بالذات يظهر «حلف مكة»؛ ليس بوصفه أداة ردع إقليمي فحسب، بل بوصفه ــ وفق هذه القراءة ــ «وثيقة تأمين» لحياة رجل حكم بالسيف، ففقد شرعيته، ويستعين الآن بجيوش الغرباء لضمان بقائه.
الجزء الأول: الاحتمالات الشائعة والرد عليها
الاحتمال الأول: «الحلف ضد إيران»
ما يقوله الناس
تذهب التحليلات السائدة إلى أن السعودية تسعى إلى بناء جدار ردع في مواجهة إيران بعد الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على طهران، وأن الحلف يمثل «حلفاً سنياً» في مواجهة «الخطر الإيراني».
الرد
إذا كان الحلف موجهاً ضد إيران، فلماذا رحبت إيران به؟
في 17 سبتمبر/أيلول 2025، وبعد توقيع الاتفاقية الثنائية السعودية ــ الباكستانية، التي سبقت الحلف الثلاثي، رحبت إيران صراحة بالاتفاقية ووصفتها بأنها «بداية لنظام أمني إقليمي شامل».
كما أن باكستان نفسها، وهي العضو الأساسي في الحلف، ترفض تاريخياً أي مواجهة مع إيران.
ففي عام 2015، رفض البرلمان الباكستاني بالإجماع المشاركة في الحرب السعودية ضد الحوثيين في اليمن، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية مع الرياض وأبوظبي، إلا أن باكستان تمسكت بموقفها ولم ترضخ.
إضافة إلى ذلك، يضم الجيش الباكستاني نسبة كبيرة من الشيعة، ولا يمكن لقيادته العسكرية أن تُجبرهم على قتال «إخوانهم» في إيران أو اليمن.
أما تركيا، العضو الثالث في الحلف، فتمتلك علاقات اقتصادية وطاقوية متينة مع إيران، ولم تُبدِ يوماً نية لقطعها.
الخلاصة
إيران ليست الهدف، بل إنها بصورة مفارقة قد تكون من المستفيدين من الحلف.
الاحتمال الثاني: «الحلف ضد الحوثيين واليمن»
ما يقوله الناس
يرى البعض أن السعودية تريد قوات باكستانية لإنهاء حرب اليمن، وأنها تسعى إلى استقدام «قوات سنية» تحل محل الجيش السعودي المنهك.
الرد
بعد توقيع الاتفاقية الثلاثية بيومين فقط، في 9 أغسطس/آب 2026، شن الحوثيون هجوماً بطائرة مسيّرة على مصفاة أرامكو في جازان، ما أدى إلى اندلاع حريق كبير، وفي اليوم نفسه، استهدفوا ميناء المخا على البحر الأحمر، لم تتوقف العمليات الحوثية؛ بل تصاعدت.
كما أن القوات الباكستانية المنتشرة في السعودية، والتي يُقدَّر عددها بنحو 8,000 جندي، لم تُكلَّف بأي دور قتالي في اليمن، ووفقاً لمصادر عسكرية، تؤدي هذه القوات «أدواراً استشارية وتدريبية»، وليست قوات هجومية.
الخلاصة
الحلف لم يردع الحوثيين، بل حفّزهم، والقوات الباكستانية ليست مخصصة لليمن.
الاحتمال الثالث: «الحلف اقتصادي ــ مثلث القدرات العسكرية»
ما يقوله الناس
يُقدَّم الحلف بوصفه «مثلث قدرات»: المال السعودي، والصناعة التركية، والقوات الباكستانية.
وهدفه، وفق هذا الطرح، بناء «ناتو إسلامي» صناعي وعسكري.
الرد
هذا التفسير صحيح جزئياً، لكنه ثانوي، فالسعودية قادرة على شراء السلاح من أي مكان في العالم: من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين، فلماذا تحتاج إلى «حلف دفاعي» إذا كان الهدف مجرد بناء صناعة عسكرية؟
السؤال الأعمق هو: لماذا اختيرت لغة «الناتو» تحديداً؟ ولماذا صيغة: «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع»؟
إذا كان الهدف هو الصناعة العسكرية، لكانت اتفاقية تعاون صناعي كافية، أما «معاهدة الدفاع المشترك» فتعني شيئاً مختلفاً تماماً: أي أن مهاجمة طرف تتيح، بل قد تلزم، الأطراف الأخرى بالتدخل.
الخلاصة
الصناعة العسكرية هدف جانبي، وليست الهدف الجوهري.
الاحتمال الرابع: «الحلف ضد إسرائيل ــ المظلة النووية الباكستانية»
ما يقوله الناس
يرى البعض أن السعودية وتركيا تسعيان إلى الحصول على «مظلة نووية باكستانية» لمواجهة الهجمات الإسرائيلية المحتملة، ولا سيما بعد أن قصفت إسرائيل الدوحة، جارة السعودية، وباتت القوة الجوية الإسرائيلية مهيمنة في المنطقة.
الرد
هذا الاحتمال هو الأقرب إلى منطق الإقليم، لكنه لا يكفي لتفسير التوقيت والدوافع كاملة.
يرى مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية في جامعة هارفارد أن «فكرة المظلة النووية تبقى نظرية في أحسن الأحوال»، وأن «استراتيجيي باكستان سيكونون حذرين للغاية من أي التزام يخفف سيطرتهم على رموزهم النووية أو يورطهم في صراعات خارج تركيزهم الأساسي».
فالقدرة النووية الباكستانية موجهة أساساً ضد الهند، وإسرائيل على الرغم من عدوانيتها، لن تهاجم السعودية مباشرة؛ إذ لها مصلحة استراتيجية في استقرار إمدادات النفط السعودي.
الخلاصة
المظلة النووية تمثل «ردعاً رمزياً» أكثر من كونها ضمانة عسكرية فعلية.
لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا يحتاج محمد بن سلمان إلى «ردع رمزي» الآن، وفي هذه اللحظة تحديداً؟
الجزء الثاني: الحقيقة ــ «حماية العرش»
النقطة الأولى: محمد بن سلمان حطّم «الشرعية التقليدية»
منذ تأسيسها على يد عبدالعزيز آل سعود، لم تُحكم السعودية وفق نموذج «الاستبداد الفردي» الخالص، بل وفق مبدأ «التوافق العائلي»، لم يكن الملك «الحاكم المطلق» بقدر ما كان «الأول بين المتساوين».
كانت الفروع الملكية الكبرى، المنحدرة من أبناء عبدالعزيز، تتقاسم مراكز القوة:
هذا التوازن شكّل «الشرعية العائلية» التي تحمي النظام من الانقلابات.
لكن محمد بن سلمان حطّم هذا التوازن بصورة غير مسبوقة:
كما أنه لم يعيّن نائباً لولي العهد، في مخالفة صريحة لقواعد مجلس البيعة الذي أسسه الملك عبدالله عام 2014.
«إن احتكار السلطة في يد فرع سلمان، وإبعاد الفروع الأخرى عبر اتهامها بالفساد، قد يحرم الحكم الجديد من عنصر الشرعية التقليدية».
— مركز الدراسات العربية في واشنطن
محمد بن سلمان لم يعد «أولاً بين المتساوين»، بل «وحيداً بين المقصيين».
النقطة الثانية: الحرس الوطني — الجيش الموازي المُضعَّف
الحرس الوطني السعودي ليس مجرد قوة عسكرية إضافية، بل هو «جيش موازٍ» تشكّل تاريخياً بوصفه أحد أعمدة حماية النظام الملكي من المخاطر الداخلية،وقد استمد قوته من بنيته القبلية العميقة، إذ جُنّد على نطاق واسع من قبائل بدوية ارتبطت تقليدياً بالولاء لآل سعود.
غير أن الحرس الوطني، لسنوات طويلة، لم يكن مؤسسة محايدة تماماً؛ فمنذ عهد الملك عبدالله، وصولاً إلى قيادة ابنه متعب بن عبدالله، تحول الحرس إلى قاعدة نفوذ عسكرية وقبلية لفرع عبدالله.
لقد كانت قيادته العليا، وكبار ضباطه، وشبكات علاقاته، منسوجةً بعناية ضمن إطار الولاء لفرع الملك الراحل، مما جعل الحرس صمام أمان يضمن توازن القوى داخل العائلة المالكة ويمنع احتكار السلطة من فرع واحد.
لكن المشهد تغير جذرياً عندما قرر محمد بن سلمان إزاحة هذا المركز.
لم يكتفِ ولي العهد بـ«إعفاء» متعب بن عبدالله من منصبه، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ بإخضاع الأمير متعب وآل عبدالله إلى الاعتقال.
هذا الانتقال من «الإزاحة السياسية» إلى «الاعتقال الجنائي» كان بمثابة الصدمة التي هزت أركان التوازنات التقليدية.
ففي العرف القبلي والسياسي السعودي، لم يكن اعتقال أمير من أبناء الملك الراحل مجرد إجراء قانوني، بل اعتُبر إهانةً لفرع كامل من العائلة، واستعداءً مباشراً للقبائل التي كانت ترى في فرع عبدالله حامياً لها وضامناً لمكانتها داخل بنية الدولة.
إن هذا الإجراء هو ما ولّد حالة من الحنق المكتوم والعداء المتصاعد في الأوساط القبلية التي كانت تولي ولاءها لفرع عبدالله.
فبإزاحة القيادة واعتقال رموزها، لم يكتفِ محمد بن سلمان بإبعاد قائد الحرس الوطني، بل فكك أيضاً الغطاء القبلي الذي كان يمنح السلطة شرعيتها التقليدية، محولاً الحرس الوطني من مؤسسة تعتمد على الولاء القبلي والأسري إلى مؤسسة تقوم حصراً على الولاء المباشر للفرد، وهو ما جعل أمن العرش الجديد يعتمد على القوة لا على التوافق.
«كل فرع من الفروع الملكية لديه علاقاته الخاصة مع الزعماء القبليين وأتباعهم، الذين سيتم إقصاؤهم بالتأكيد إلى جانب رؤساء تلك الفروع».
— مركز الدراسات العربية في واشنطن
النتيجة
أضعف محمد بن سلمان «الجيش الذي يحمي العائلة» كي يسيطر عليه، لكنه خسر، في المقابل، جزءاً من حلفائه القبليين، أصبح يملك «جيشاً»، لكنه فقد «القبائل».
النقطة الثالثة: باكستان = «الحرس الشخصي»
أرسلت باكستان إلى السعودية نحو 8,000 جندي، فيما تفيد بعض المصادر بأن اتفاقاً سرياً يسمح بنشر ما يصل إلى 80,000 جندي، لكن هذه القوات لم تُكلّف بمحاربة الحوثيين أو إيران.
ويرى محللون استراتيجيون أن «القوات الباكستانية قد تُنشر لحماية العائلة المالكة، بعد أن أضعف محمد بن سلمان أقاربه وتركهم عرضة للخطر».
لماذا باكستان تحديداً؟
وبهذه القراءة، ليست باكستان «حليفاً» فقط، بل «حرساً شخصياً» يحمي العرش من أصحابه.
النقطة الرابعة: تركيا = «الغطاء الإسلامي ــ الناتوي»
هنا تظهر المفارقة الأعمق،فقد كان محمد بن سلمان ينظر إلى تركيا بوصفها خصماً:
فكيف يتحالف معها الآن؟
الجواب، أن الخطر الداخلي بات يتجاوز كل العداوات الخارجية، فأردوغان يقدم ما لا تستطيع دول أخرى تقديمه:
وبذلك لا تبدو تركيا، في هذه القراءة، مجرد «حليف»، بل «شهادة شرعية» يحملها محمد بن سلمان لإثبات أنه ليس «طاغية»، بل «قائد إسلامي».
النقطة الخامسة: «معاهدة دفاع مشترك» = «تأمين انقلابي»
الفرق بين «اتفاقية تدريب» و«معاهدة دفاع مشترك» هو الفرق بين «صداقة» و«دم».
ووفق هذا المنطق، يمكن تصنيف أي «انقلاب داخلي» بسهولة بوصفه «عدواناً»، بما يسمح باستدعاء الحلفاء.
هكذا يحوّل محمد بن سلمان أي تهديد داخلي إلى «عدوان خارجي» يستوجب تدخل الأطراف الأخرى.
هذا ليس حلفاً تقليدياً، بل «فخ قانوني» يلزم الغرباء بحماية العرش.
الجزء الثالث: «اليوم الذي يلي موت الملك سلمان»
السيناريو المتوقع
المرحلة الأولى: إعلان الوفاة
الملك سلمان يبلغ نحو تسعين عاماً، وصحته هشة، لذلك فإن وفاته ليست مسألة «إذا»، بل مسألة «متى».
المرحلة الثانية: الإعلان الفوري
يعلن محمد بن سلمان نفسه ملكاً فوراً، من دون انتظار مجلس البيعة، ومن دون استشارة الأعمام، وهو لم يعيّن نائباً لولي العهد لأنه لا يثق بأحد.
المرحلة الثالثة: الرفض العائلي
يرفض الأعمام وأبناء عبدالعزيز، الذين اعتُقلوا وصودرت أموالهم، هذا الانتقال:
«أنت حفيد، لا ابن، وقد اعتقلتنا وصادرت أموالنا، فأين شرعيتك؟»
المرحلة الرابعة: تذمر القبائل
تتذمر القبائل التي أُقصي حلفاؤها من الحرس الوطني:
«أقصيت حلفاءنا؛ فأين عهدك بنا؟»
المرحلة الخامسة: «الانقلاب»
يعلن محمد بن سلمان وجود «محاولة انقلاب»، قد تكون حقيقية أو مفتعلة، ثم يستدعي باكستان وتركيا بموجب «معاهدة الدفاع المشترك».
المرحلة السادسة: «الحماية»
تحمي القوات الباكستانية القصور الملكية، وتراقب المسيرات التركية الشوارع، بينما ينتشر الجيش السعودي ــ الذي يقوده محمد بن سلمان ــ في الميدان.
المرحلة السابعة: «الملك»
يصبح محمد بن سلمان ملكاً، لا بشرعية العائلة، ولا بشرعية القبائل، بل بشرعية «الحلف».
الخلاصة: «حلف مكة» = «حلف البقاء»
|
ليس من أجل |
بل من أجل |
|
ردع إيران |
حماية محمد بن سلمان من العائلة المالكة |
|
حرب الحوثيين |
قوات باكستانية تحل محل الحرس الوطني المُضعَّف |
|
المظلة النووية |
غطاء إسلامي ــ ناتوي لشرعية مفقودة |
|
الصناعة العسكرية |
تأمين «عدوان خارجي» يبرر تدخل الحلفاء في الداخل |
|
حماية السعودية |
حماية عرش محمد بن سلمان |
«السؤال ليس: من يحكم السعودية؟ بل: من يحمي من يحكم السعودية؟»
محمد بن سلمان، وفق هذه القراءة، لم ينشئ «حلف مكة» لحماية السعودية من إيران أو إسرائيل، بل لحماية نفسه من أعمامه وقبائله وشعبه في اليوم الذي يلي وفاة والده.
هذا ليس «حلفاً عسكرياً»، بل وثيقة تأمين على حياة رجل يعلم أن شرعيته مفقودة، وشركاءه أعداء، وجيشه لا يكفي.
«“حلف مكة” ليس تحالفاً لمواجهة الأعداء، بل هو “حلف وجودي” يهدف لتثبيت أركان العرش وحمايته من تقلبات الداخل.»