عاجل:
محرم في القطيف:  حين انكشف الخداع وولَّد الوعي
حدث وتحليل 2026-06-30 13:06 611 0

محرم في القطيف: حين انكشف الخداع وولَّد الوعي

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

كنتُ مثل كثيرين من أبناء مجتمعي أردّد ما بثّته المؤسسة الدينية الرسمية لعقود عن "الروافض" و"حلفائهم اليهود"، وأصدّق أن إعدام الشيخ نمر النمر كان "عدلاً" لأنه "خرج على ولي الأمر".

لم أسأل يوماً: من يروّج هذا الخطاب؟ ولماذا؟

اليوم، بعد سنوات من الأحداث المتسارعة، انكشف الخداع.

النظام الذي كفّر الشيعة واتهمهم بالولاء لإيران، يتفاوض علناً على التطبيع مع إسرائيل، ويمنع مواطنيه من رفع علم فلسطين أو ارتداء الكوفية.

هذا المقال ليس دفاعاً طائفياً، بل شهادة من الداخل: رحلة كشف الوعي، وفضح آليات "فرق تسد" التي حكمت البلاد لعقود.

 

محرم.. ذكرى الحسين وقمع الذكرى

في أيام محرم الحرام، يحيي شيعة القطيف والأحساء ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي حفيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم،

مجالس العزاء، الرايات السوداء، والشعائر المتوارثة ليست بدعة حديثة، بل جزءاً أصيلاً من هويتهم الدينية والثقافية العربية.

ورغم ذلك، تفرض السلطات كل عام قيوداً مشددة بلغت ذروتها في 2025:

  • تقليص عدد المجالس المصرح بها.
  • منع خطباء مستقلين من الصعود إلى المنابر.
  • حظر الفعاليات بعد منتصف الليل، ومنع مكبرات الصوت.
  • تقييد المضائف الحسينية بمطاعم مرتبطة بالبلدية.
  • منع الفعاليات في الساحات العامة، وحظر رفع الرايات في الأماكن العامة.
  • قيود مناطقية تحول دون دخول شيعة من خارج القطيف.

هذه الإجراءات ليست "تنظيماً أمنياً"، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض التماسك الاجتماعي للطائفة.

فمجالس العزاء ليست مجرد بكاء على الماضي؛ إنها مساحات وعي جمعي تذكّر بالظلم وتعزز الصمود.

ونظام "فرق تسد" لا يمكنه تحمل مثل هذه المساحات.

 

المؤسسة الدينية وسياسة "فرق تسد"

ارتبطت الدعوة الوهابية بالسلطة منذ تأسيس الدولة، وشكّلت فتاوى التكفير ضد الشيعة سلاحها الأيديولوجي الأخطر.

وُصِف الشيعة بـ"الروافض" و"الضالين"، واتُّهموا زوراً بالولاء لليهود أو إيران.

وفي الوقت نفسه، استخدمت فتاوى أخرى للسيطرة على السنة أنفسهم، أبرزها فتوى تحريم الخروج على الحاكم (حتى لو رأوا كفراً بواحاً)، كما أكد ابن باز.

هذه الفتوى جمّدت أي حراك إصلاحي، وجعلت السنة ينظرون إلى قمع الشيعة بصمت أو رضا، مقتنعين أن النظام "يحمي السنة" من "الخطر الشيعي".

النتيجة: سنة في جهل مطمئن، وشيعة مهمّشون، ونظام مستقر على حساب وحدة المجتمع.

 

الشيخ نمر النمر.. رمز الخداع

كان الشيخ نمر باقر النمر ناشطاً سلمياً يطالب بالمساواة والإصلاحات السياسية في مواجهة التمييز الطائفي.

اعتُقل عام 2012 بعد إطلاق النار عليه، وحُوكم في محاكمة وصفتها منظمات حقوقية بالجائرة، ثم أُعدم في 2 يناير 2016 مع 46 آخرين.

فرح كثير من السنة بإعدامه، مرددين الرواية الرسمية دون تساؤل.

اليوم، يدرك كثيرون أن الشيخ نمر لم يكن يطالب بانفصال أو ولاء خارجي، بل بحقوق مواطنة أساسية.

إعدامه كان رسالة رعب لكل مطالب بحقوقه.

 

فلسطين.. الميزان الحقيقي

كان الاتهام الأبرز: "الشيعة حلفاء اليهود".

لكن الواقع قلب الصورة رأساً على عقب.

الشيعة — في لبنان وإيران والمرجعيات الدينية — دعموا المقاومة ضد إسرائيل، بينما يتفاوض النظام السعودي على التطبيع.

وفي الداخل، يُعتقل من يرفع علم فلسطين ولو في الحرم المكي، ويُحظر التضامن مع غزة.

التناقض صارخ: من كان يكفّر الشيعة بتهمة "الولاء لليهود" أصبح هو من يقترب من التطبيع، ويمنع نصرة أهل السنة في فلسطين.

 

نحو وعي جديد

اليوم، بعد قمع السنة أيضاً — باعتقال علماء ومواطنين يرفضون الفساد والمجون والمشاريع الوهمية، والغلاء والبطالة — وضحت الصورة لكثيرين.

الصراع ليس طائفياً في جوهره، بل سياسي.

استخدم النظام الدين والفتاوى لتقسيم الأمة، وصرف النظر عن قضايا الحكم والفساد، وتمرير سياسات تخدم مصالح خارجية على حساب الشعوب.

آن الأوان لوقف فتاوى التكفير، وإنهاء التمييز الطائفي، والمساواة في الحقوق، وحرية الشعائر، وموقف واضح من القضية الفلسطينية.

السنة والشيعة في السعودية إخوة في الدين والوطن.

من زرع الفرقة بيننا هو نفسه من يبيع القضايا المركزية.

في أيام محرم، أيام تذكر الظلم والثبات على المبدأ، نقولها بوضوح:

قضية الشيعة في السعودية ليست طائفية، بل قضية كرامة إنسانية ومواطنة متساوية.

والحقّ يبقى، ولو بعد حين.

«وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: 29)

آخر الاخبار