عاجل:
من المستفيد من فتح جبهة العراق؟
حدث وتحليل 2026-07-29 17:07 339 0

من المستفيد من فتح جبهة العراق؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

في الشرق الأوسط، لا تكون أهمية الحدث في حجمه فقط، بل في توقيته، وتسلسل ما يسبقه وما يتبعه. وفي أوقات التصعيد، قد يكون السؤال الأهم ليس: من أطلق الصاروخ؟ بل: من المستفيد من توسيع دائرة الحرب؟

خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، شهدت المنطقة سلسلة أحداث متلاحقة أثارت تساؤلات أكثر مما قدمت إجابات.

هجوم استهدف منشآت نفطية سعودية، وإعلان رسمي من جماعة أنصار الله في اليمن بتبني العملية، ثم اتهامات سعودية للعراق، أعقبها تنفيذ ضربات داخل الأراضي العراقية، في وقت كانت البلاد تستعد لإحياء زيارة الأربعين، وهي من أكبر المناسبات الدينية في العالم الإسلامي.

هذا التسلسل يطرح سؤالاً بديهياً: لماذا العراق؟

حتى الآن، لم تُنشر أدلة علنية تثبت أن الهجوم على المنشآت السعودية انطلق من الأراضي العراقية، كما لم تُعرض للرأي العام معلومات فنية، مثل مسارات الطيران أو صور الأقمار الصناعية أو نتائج تحقيق مستقل، تفسر سبب توجيه الاتهام إلى العراق رغم إعلان أنصار الله مسؤوليتهم عن الهجوم.

وقد تمتلك أي دولة معلومات استخباراتية لا تعلنها لأسباب أمنية، لكن في المقابل، فإن القرارات العسكرية التي تتجاوز الحدود وتؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين تثير بطبيعتها مطالبات بتقديم أدلة واضحة تبررها، ليس فقط أمام المجتمع الدولي، بل أيضاً أمام الرأي العام.

 

لماذا لم يكن الرد على اليمن؟

إذا كان المنفذ المعلن هو أنصار الله، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم يتركز الرد على الجبهة اليمنية؟ وهل ترى الرياض أن مصدر التهديد الحقيقي يقع خارج اليمن؟ أم أن لديها تقديرات استخباراتية لم تُكشف بعد؟

غياب الإجابات الرسمية يجعل المجال مفتوحاً للتكهنات، وهو أمر يزيد من تعقيد المشهد بدلاً من توضيحه.

 

توقيت يثير التساؤلات

التوقيت بدوره يلفت الانتباه.

فالضربات جاءت في مرحلة تشهد تصعيداً إقليمياً واسعاً، وبعد لقاءات سياسية رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي ظل استمرار التوتر مع إيران، وفي وقت كانت الأنظار تتجه إلى العراق مع اقتراب زيارة الأربعين.

هل كان هذا مجرد تزامن؟ أم أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك؟

حتى الآن، لا توجد أدلة منشورة تجيب بصورة قاطعة عن هذا السؤال، لكن مجرد طرحه أصبح مشروعاً في ضوء تسارع الأحداث.

 

هل تغيرت قواعد الردع؟

خلال العقد الماضي، تبنت السعودية نهجاً يقوم على الردع العسكري في أكثر من ساحة. غير أن حصيلة تلك السنوات تستحق المراجعة.

فالحرب في اليمن، التي بدأت بأهداف معلنة تتعلق بإعادة الحكومة المعترف بها دولياً، امتدت سنوات طويلة، وتعرضت خلالها المملكة لهجمات متكررة استهدفت منشآت نفطية وبنية تحتية حيوية.

وفي كل مرة كانت تتصاعد فيها المواجهة، كان السؤال يعود من جديد: هل تحقق هذه السياسة أهدافها الأمنية، أم أنها تفتح جبهات جديدة تزيد من حجم المخاطر؟

 

أين الأدلة؟

في القضايا العسكرية الحساسة، لا يكفي توجيه الاتهامات لإقناع الرأي العام.

فالممارسة المعتادة في الأزمات الكبرى هي نشر ما يمكن نشره من الأدلة الفنية أو نتائج التحقيقات، بما يسمح بتقييم الروايات المختلفة.

أما عندما تبقى الأدلة غير معلنة، وتظل الروايات متعارضة، فإن مساحة الشك تتسع، وتصبح الأسئلة أكثر من الإجابات.

 

من المستفيد؟

يبقى السؤال الأكثر تعقيداً:

من المستفيد من انتقال المواجهة من اليمن إلى العراق؟

هل تستفيد السعودية من فتح جبهة إضافية؟

هل يستفيد العراق الذي يواجه أصلاً تحديات أمنية وسياسية؟

هل تستفيد إيران من اتساع رقعة التوتر؟

هل تستفيد إسرائيل من انشغال خصومها في مواجهات متفرقة؟

هل تستفيد الولايات المتحدة من إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي؟

لا يمكن الجزم بإجابة واحدة، لكن من الواضح أن كل تصعيد جديد يعيد رسم موازين القوى ويغير حسابات جميع الأطراف.

 

عندما تصبح الأسئلة أكثر من الإجابات

إن أخطر ما في الأزمات الإقليمية ليس فقط الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل غياب الشفافية.

فكلما اتسعت الفجوة بين الروايات الرسمية والأدلة المنشورة، ازدادت مساحة الشك، وارتفع خطر سوء التقدير، وهو ما قد يقود إلى قرارات يصعب احتواء نتائجها لاحقاً.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من نفذ الهجوم؟ بل أيضاً: هل بُنيت القرارات اللاحقة على معلومات يمكن التحقق منها، أم على تقديرات لم تُختبر بعد؟

 

الخاتمة

في إدارة الأزمات، لا تُقاس الحكمة بسرعة اتخاذ القرار، بل بقدرته على تحقيق أهدافه بأقل تكلفة ممكنة، وبمدى استناده إلى معلومات موثوقة وآليات مراجعة فعالة.

وإذا كانت القرارات العسكرية تؤدي إلى توسيع نطاق الصراع، أو فتح جبهات جديدة، أو زيادة المخاطر على المدنيين والاستقرار الإقليمي، فمن المشروع أن تُطرح تساؤلات حول كيفية صنع هذه القرارات، وحول ما إذا كانت تحقق بالفعل الأمن الذي تعلن السعي إليه.

فالقرار الاستراتيجي الناجح ليس الذي يبدو حاسماً في لحظة اتخاذه، وإنما الذي تثبت الأيام أنه خدم مصلحة الدولة وأمنها على المدى الطويل.

آخر الاخبار