عاجل:
الإعلام الموازي يسقط في فخ التوجيه الناعم
الاخبار 2026-05-25 09:32 607 0

الإعلام الموازي يسقط في فخ التوجيه الناعم

أصدر مركز طوى للدراسات والأبحاث دراسة معمقة ونقدية حول واقع وتحديات المشهد الإعلامي البديل في "السعودية"، جاء فيها رصد تحليلي دقيق للتحولات الجوهرية التي طرأت على الفضاء الرقمي ومنصات النشر البديلة.

تسعى الدراسة، الممتدة على مدى خمس وأربعين صفحة وصادرة عن وحدة الأبحاث في المركز، إلى تفكيك بنية المشهد الإعلامي غير التقليدي واستجلاء الثغرات المهنية والتنظيمية والسياسية التي تكتنفه في ظل التغيرات السريعة التي تعيشها المنطقة.

 

ووفق ما ذكر المركز، فإن الطفرة الهائلة التي شهدها الإعلام الموازي في السعودية والمتمثل بشكل أساسي في الفضاءات النشطة على منصة إكس، وبرامج البودكاست الآخذة في التوسع، وتطبيقات التراسل الفوري المختلفة لم تكن وليدة الصدفة، وإنما جاءت نتاجاً حتمياً لبيئة إعلامية رسمية تتسم بالمركزية والشدة في الرقابة والتحكم لسنوات طويلة.

 

وتنوه الدراسة إلى أن غياب القنوات المؤسسية الرسمية والتقليدية المتنوعة، القادرة على استيعاب النقاشات العامة والآراء المتباينة، أسهم بشكل مباشر في دفع شرائح واسعة من المجتمع وصناع المحتوى نحو البحث عن فضاءات غير رسمية.

 

وقد تحولت هذه المنصات البديلة مع الوقت من مجرد أدوات للتواصل والترفيه، إلى مصادر حيوية وبديلة للمعلومة والتحليل الإخباري والسياسي والاجتماعي لدى المتلقي المحلي الذي بات يبحث عن هوامش أوسع للتعبير والتلقي بعيداً عن القوالب الرسمية الجاهزة.

 

وتشرح الدراسة بكثير من التفصيل كيف أن شبكات التواصل الاجتماعي أحدثت ثورة في بنية الاتصال الجماهيري داخل المجتمع، حيث تحول الفرد من مستهلك سلبي للرسالة الإعلامية إلى صانع لها ومشارك في توجيهها.

 

هذا التحول البنيوي فرض واقعاً جديداً عجزت المؤسسات الإعلامية التقليدية، مثل الصحف الورقية والتلفزيون الرسمي، عن مواكبته أو استيعابه بسبب ثقل الهياكل الإدارية التقليدية والالتزام الحرفي بالخطوط الحمراء المفروضة.

 

وبذلك، تمدد الإعلام البديل ليملأ مساحات واسعة تركتها الصحافة الرسمية فارغة، مما أكسبه مشروعية جماهيرية واسعة النطاق وخاصة بين فئات الشباب الذين يمثلون الكتلة الديموغرافية الأكبر في البلاد.

 

 

 

الثغرات البنيوية والإشكالات المهنية في فضاء الإعلام البديل:

 

 

 

يرى مركز طوى للدراسات أن هذا التوسع المتسارع للإعلام البديل، على الرغم من حيويته وما أحدثه من كسر للاحتكار، أفرز مجموعة من الثغرات البنيوية والمهنية العميقة التي باتت تشكل تحدياً حقيقياً لجودة المحتوى المعرفي والخبري.

 

حيث يفتقر الإعلام الموازي في كثير من الأحيان إلى آليات التحرير والتدقيق الصارمة الموجودة في غرف الأخبار التقليدية، مما يسهل انتشار الإشاعات والمعلومات المغلوطة دون وجود رادع مهني داخلي يحمي الجمهور من التضليل.

 

وتشير الدراسة إلى معضلة ذوبان الحدود الفاصلة بين رصد الوقائع المجردة وبين الانطباعات الشخصية والأجندات الفردية لصنّاع المحتوى، الأمر الذي يضع المتلقي أمام وجبة معرفية غير منضبطة المعايير تعتمد غالباً على الإثارة وجلب التفاعل الرقمي بدلاً من تقديم الحقيقة الموضوعية.

 

ومع غياب المرجعية التحريرية الموحدة والمعايير الأخلاقية المنظمة، تحولت منصات التواصل والبودكاست إلى ساحات مشبعة بالمحتوى العشوائي والسطحي الذي يصعب ضبطه، مما يعزز أزمة ثقة مستشرية في عموم المشهد الرقمي والمحتوى المتداول، ويسهم في تفتيت الوعي الجمعي بدلاً من بنائه وتنويره.

 

وتتطرق وحدة الأبحاث في هذا السياق إلى مفهوم الاقتصاد الرقمي القائم على الاهتمام، حيث تقع الكثير من حسابات الإعلام الموازي في فخ البحث عن المشاهدات والقرّاء بأي ثمن لإرضاء الخوارزميات أو لجلب الرعاة والإعلانات التجارية.

 

هذا التوجه النفعي أدى في كثير من الأحيان إلى تسليع الوعي وإبراز قضايا هامشية ومثيرة للجدل على حساب القضايا التنموية والفكرية الجادة، وهو ما يضعف القيمة الإستراتيجية التي كان يمكن للإعلام البديل أن يضيفها للمجتمع والدولة على حد سواء.

 

 

 

البيئة التنظيمية وأبعادها السياسية والإستراتيجية:

 

 

 

وفي سياق القراءة التحليلية للمنظومة التشريعية، تلفت الدراسة النظر إلى أن القوانين والقرارات التنظيمية الموجهة للنشر الرقمي في المملكة تخلق حالة من عدم اليقين والارتياب لدى صناع المحتوى بمختلف توجهاتهم.

 

وترى وحدة الأبحاث في المركز أن التفسيرات الواسعة لمسألة المساءلة القانونية، والغموض الذي يلف معايير المخالفات الرقمية، يجعلان الفاعلين في هذا الفضاء يتحركون في حقل ألغام قانوني دائم، وهو ما يدفع بالضرورة إلى ممارسة الرقابة الذاتية المشددة، أو يفتح الباب للتعاطي الاستنسابي والمزاجي مع التجاوزات الافتراضية.

 

كما يطرح التقرير بعداً سياسياً وإستراتيجياً مهماً في غاية الخطورة، حيث يرى أن تشدد البيئة التنظيمية والمبالغة في فرض القيود على المجال الإعلامي لا يؤديان بالضرورة إلى السيطرة التامة وحفظ الأمن الفكري، بل قد يفرزان نتيجة عكسية تماماً على المدى المتوسط والبعيد.

 

فبدل أن يسهم التشديد في تطوير إعلام مستقل، محترف، ومهني قادر على تحصين الجبهة الداخلية وتفنيد الشائعات، فإنه يدفع بالنقاش العام إلى ما وراء الكواليس وخارج الأطر الرسمية المرئية.

 

هذا الهروب نحو الفضاءات المغلقة والمشفرة يمنح الفرصة لنمو منصات غير رسمية تكون أكثر عرضة للتضليل، أو التوظيف الإقليمي، أو التأثير الخارجي الخبيث، وهو ما يفاقم تعقيد المشهد الأمني والمعلوماتي بدلاً من تنظيمه وترتيبه بشكل مستدام.

 

وتوضح الدراسة أن الاستجابة الأمنية البحتة للتحديات الإعلامية تفقد الدولة ميزة الحصول على تغذية راجعة حقيقية وصادقة حول السياسات العامة ورضا الشارع، حيث يصبح الفضاء العام مليئاً بعبارات المديح والموافقة المصطنعة الخوف من المساءلة، مما يحجب الرؤية عن صناع القرار ويمنعهم من رصد الثغرات والمشاكل الحقيقية قبل تفاقمها.

 

 

 

ظاهرة البودكاست ومنصات الحوار وقراءة في آليات التوجيه:

 

 

 

أفردت الدراسة مساحة وافية وعميقة لتحليل ظاهرة البودكاست التي نمت بشكل مضطرد ومثير للاهتمام في الفضاء السعودي خلال السنوات الأخيرة.

 

وتبين الورقة البحثية أن هذا النمط الحواري الموازي استطاع ملء فراغ معرفي وثقافي كبير، وجذب ملايين المشاهدات والاستماعات من خلال طرح قضايا فكرية، تاريخية، واقتصادية بأسلوب يبدو في ظاهره أكثر تحرراً ومرونة من القوالب التلفزيونية والإذاعية الجامدة والمملة.

 

ومع ذلك، توضح الدراسة أن هذا القطاع الواعد لا ينفصل كلياً عن الديناميكيات العامة للتوجيه والتحكم؛ إذ يخضع للمراقبة الحثيثة والمستمرة، وتتم مواءمة المضامين الكبرى والقضايا الحساسة فيه لتتناسب بدقة مع الرؤى والخطوط العامة المسموح بها من قِبل الأجهزة التنظيمية.

 

هذا التوجيه الناعم يحول البودكاست في كثير من الأحيان من منصة للنقد البناء والحوار الحر الصادق إلى أداة إضافية وجديدة لصياغة الوعي الجمعي وتوجيه اتجاهات الرأي العام بما يتوافق مع الأجندات السائدة، ولكن باستخدام قوالب حداثية، جذابة، وبصرية مبهرة تستهدف عقول وجيوب فئة الشباب على وجه الخصوص.

 

وتكشف الدراسة عن وجود تباين وازدواجية في التعامل مع برامج البودكاست، فبينما يُسمح لبعض الشخصيات المقربة أو الحاصلة على ضوء أخضر بمناقشة موضوعات اجتماعية أو تاريخية شائكة ومثيرة للجدل لغرض التنفيس أو توجيه سردية معينة، يُفرض حظر صارم وصمت مطبق على أي أصوات تحاول تقديم قراءات نقدية مغايرة أو مستقلة للواقع الاقتصادي والتنموي، مما يفرغ الحوار من جوهره الحقيقي ويحوله إلى تنوع شكلي يخفي خلفه أحادية فكرية واضحة.

 

 

 

تداعيات أزمة الثقة والاغتراب الإعلامي لدى المتلقي:

 

 

 

تنوه الدراسة إلى أن المحصلة النهائية لتداخل القيود السياسية الصارمة مع العشوائية المهنية للإعلام الموازي أدّت في نهاية المطاف إلى تآكل الثقة في المحتوى الرقمي المعروض محلياً في السعودية.

 

فالجمهور المحلي يجد نفسه متأرجحاً في حيرة من أمره بين إعلام رسمي جاف وموجه بشكل أحادي يفتقر للجاذبية والمصداقية، وبين إعلام موازي بديل يعاني من ضعف الموثوقية الفنية أو يعيش حالة رعب مستمر من مقص الرقيب الذاتي والخارجي.

 

هذه الفجوة المعرفية العميقة المتولدة عن غياب الموثوقية والحريات تدفع المتلقي، وخاصة الأجيال الجديدة المنفتحة على العالم، إلى البحث عن مصادر معلوماتها وتحليلاتها خارج الحدود الجغرافية للبلاد، والاعتماد على قنوات وصحف ومؤسسات بحثية أجنبية أو معارضة.

 

هذا الاغتراب الإعلامي يفقد الإعلام المحلي بمختلف مستوياته البديلة والرسمية القدرة على بناء سردية وطنية متماسكة، مقنعة، ومحصنة أمام التحديات المتزايدة والأزمات الإقليمية العاصفة، مما يترك المجتمع مكشوفاً من الناحية الفكرية والمعلوماتية أمام أي اختراق خارجي.

 

 

 

الرؤية المستقبلية والخلاصات الإستراتيجية:

 

 

 

تخلص دراسة مركز طوى للدراسات في نهايتها إلى أن معالجة الإشكالات العميقة والجذرية في المشهد الإعلامي السعودي الموازي والتقليدي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحقق عبر تبني خيارات أحادية قاصرة ترتكز فقط على المقاربات الرقابية، أو التوسع في سياسات المنع والحجب، أو تشديد العقوبات الرقمية والغرامات المالية. كما وأن تعميق البيئة الزجرية في الفضاء الافتراضي لا يحل المشكلة بل يؤجل انفجارها، ويفرّغ الإعلام من محتواه التنموي والنقدي ويحوّدراسةله إلى مجرد بوق لا قيمة له.

 

وبدلاً من تلك المقاربات القاصرة، توصي الدراسة بضرورة الشروع في بناء بيئة إعلامية جديدة، صحية، وأكثر توازناً ونضجاً. ويتطلب هذا التحول الجوهري إتاحة قدر أوسع وأكثر مرونة من حرية التعبير، وصناعة الرأي، والنقد الذاتي لمؤسسات الدولة وسياستها، شريطة أن يتم ذلك كله ضمن أطر مهنية، نقابية، ومؤسسية واضحة ومستقلة تحمي الكفاءات وتضع مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار.

 

إن تمكين المهنية الحقيقية، ورفع سقف الحريات الصحفية الملتزمة بالمعايير العلمية والموضوعية، هما السبيل الوحيد والآمن للحد من الفوضى المعلوماتية، وإعادة بناء جسور الثقة المفقودة في المحتوى الرقمي، وتحويل الإعلام الموازي من عبء تنظيمي وأمني يؤرق السلطات إلى رافد معرفي وتنموي حقيقي يسهم في نهضة المجتمع وتطوره العقلاني.

 

آخر الاخبار