غير أن هذه التحركات التي قادها خالد بن سلمان خلال زيارته إلى طهران، وفق قراءة مجلة “ذا إيكونوميست”، تصطدم بمحدودية الخيارات العسكرية السعودية، وتباين حسابات حلفائها في “حلف مكة”، فضلا عن استمرار الخلافات الجوهرية بين طهران وواشنطن.
ونقلت المجلة عن دبلوماسيين أن الرياض نقلت إلى إيران، عبر ابن سلمان، عرضا يقوم على مسارين، أولهما تقديم حوافز تتمثل في استعداد السعودية ودول مجاورة لمناقشة اتفاق أمني إقليمي أوسع مع طهران إذا قدمت الأخيرة تنازلات تتيح التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. أما المسار الثاني، فيقوم على التهديد بالرد إذا رفضت إيران التسوية واستأنفت الهجمات على دول الخليج، بمشاركة السعودية وتركيا وباكستان. ولم يحدد التقرير طبيعة الرد المحتمل، أو ما إذا كان الاتفاق يتضمن التزاما بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة، ما يترك حدود التهديد السعودي ومدى استعداد الحليفين التركي والباكستاني للمشاركة فيه موضع تساؤل في وقت لا يبدو أن الطرفين ومستعدين للانخراط في عمليات هجومية ضد إيران.
كما سعى خالد بن سلمان خلال الزيارة إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية وأمنية على إيران، في مسعى لوقف الهجمات اليمنية على السعودية. لكن الزيارة لم تفضِ إلى نتائج ملموسة إذ استمرت الهجمات على السعودية، وبوتيرة أكبر، مع تأكيد الجانب الإيراني على أنه لا يملك ورقة ضغط على اليمن، مشيرا إلى أن المطالب اليمنية واضحة لوقف الضربات، وهي وقف العدوان والحصار السعودي والانسحاب من الأراضي المحتلة.
وفي هذا السياق، أشارت المجلة إلى أن الرياض تعرضت لهجمات صاروخية إضافية عقب زيارة خالد بن سلمان، رغم مطالبة الوفد السعودي بوقف التصعيد اليمني، ما يعكس محدودية قدرة التحركات الدبلوماسية على تغيير مسار المواجهة.
وعليه، تواجه السعودية احتمال اتساع المواجهة في وقت تتعرض فيه بالفعل لهجمات يمنية تستهدف منشآتها النفطية ومطاراتها، وهو ما يفسر سعيها إلى احتواء التصعيد على الجبهتين الإيرانية والأميركية، وتجنب انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة قد تتجاوز تداعياتها حدود المواجهة المباشرة.
كما خلصت المجلة إلى أن دول الخليج تحاول إدارة أزمة إقليمية كبرى بقدر أكبر من الاستقلالية، بعد عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان أمنها. وتندرج زيارة خالد بن سلمان إلى طهران، والاستعانة بتركيا وباكستان، وطرح فكرة اتفاق أمني إقليمي مع إيران، ضمن هذا المسعى. لكن هذه المحاولة تصطدم بتناقضات واضحة. فالسعودية تسعى إلى احتواء إيران، فيما لا تزال تعتمد على المظلة العسكرية الأميركية وتطرح اتفاقا أمنيا إقليميا، بينما يتعارض الوجود العسكري الأميركي في الخليج مع التصور الأمني الذي تتمسك به طهران. كما تستند إلى شراكة دفاعية مع تركيا وباكستان من دون وضوح بشأن استعدادهما للمشاركة في مواجهة عسكرية.
وبذلك، تكشف التحركات السعودية عن مأزق أمني يتجاوز حدود الوساطة الدبلوماسية، في ظل عجز التهديدات عن ضمان وقف الهجمات، وعدم امتلاك الرياض ضمانات كافية بشأن مواقف حلفائها، واستمرار واشنطن في الدفع نحو خيارات عسكرية قد تضع المنطقة بأكملها أمام تصعيد جديد.