عاجل:
السلطات السعودية تقامر وتغامر بمرتزقتها اليمنية
الاخبار 2026-08-19 09:00 618 0

السلطات السعودية تقامر وتغامر بمرتزقتها اليمنية

على غرار الأحداث التي سبقت العدوان السعودي على اليمن في عام 2015، تشي التحركات السعودية في هذه الأيام - لا سيما في مجال بناء التحالفات العسكرية والسياسية - بأن الرياض تعيد الكَرّة متلاعِبةً ببيادقها القديمة ذاتها.

غير أن مسرح الأحداث في اليمن قد تبدّلت معالمه اليوم، مقترباً إلى مرحلة لم يعد فيها التساؤل المحوري: “مَن المنتصر؟”، بل بات لزاماً أن نسأل: “مَن الذي يملي قواعد الحرب الجديدة؟”.

 

لقد خلصت السعودية، بعد سنوات من الصراع باهظ التكلفة، إلى قناعة مفادها أن العودة إلى أتون حرب شاملة مع صنعاء من شأنها أن تعصف بالمكاسب الاقتصادية والسياسية التي حققتها في السنوات الأخيرة. وفي المقابل، أثبتت صنعاء أنها لا تسعى بالضرورة إلى إدامة أمد الحرب البرية وتوسيع رقعتها، بل تصبّ جهودها في الحفاظ على قدرتها على إلحاق الأذى وتكبيد الخصم خسائر فادحة في عمقه الاستراتيجي وفي بيئة البحر الأحمر.

 

ومن هذا المنظور، لا ينبغي توصيف المشهد الراهن بأنه هدنة مستدامة ولا عودة إلى حرب شعواء، بل هو أقرب ما يكون إلى “ردعٍ متبادلٍ هش”؛ حالة تتشابك فيها خيوط التفاوض والضغوط السياسية مع العمليات المحدودة والتحركات البرية والتهديدات البحرية في آنٍ واحد.

 

يتمثل التحول الأبرز في سياسة الرياض في تغيير البوصلة والأهداف. فـعام 2015 يقف شاهداً على اللحظة التي تحوّل فيها اليمن إلى حقل تجارب مُنيت فيه استراتيجيات الحرب السعودية بالفشل الذريع.

 

ففي سنوات الحرب الأولى، سعت السعودية جاهدةً إلى قلب موازين القوى السياسية والعسكرية لصالحها، متكئةً على تفوقها الجوي ودعمها للقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. غير أن استمرار الحرب أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القوة العسكرية وحدها تقف عاجزةً عن اجتثاث “أنصار الله”.

 

أما اليوم، فقد انصبت أولويات الرياض في المقام الأول على تقليص التكاليف الأمنية، والحيلولة دون اتساع رقعة الحرب، والاحتفاظ بالحد الأدنى من النفوذ السياسي في اليمن. وهذا التحول لا يعكس البتة تخلياً عن الخيار العسكري، بل يعبّر عن إعادة توظيفه؛ لينتقل من كونه الأداة الرئيسية إلى ورقة للضغط والردع.

 

ولهذا السبب، تكافح السعودية لخلق توازن دقيق بين هدفين متناقضين: فهي من جهة، تأبى الانزلاق في مستنقع حرب استنزاف مع صنعاء، ومن جهة أخرى، لا يسعها أن تقف مكتوفة الأيدي تاركةً الكفة السياسية والعسكرية تميل كلياً ودون أي ثمن لصالح “أنصار الله”.

 

وفي واقع الأمر، باتت الرياض اليوم - بدلاً من الجري وراء سراب الهدف بعيد المنال المتمثل في هزيمة صنعاء- تسعى حثيثاً إلى تقييد هامش مناورتها وتحجيم نفوذها.

 

لا تنحصر الميزة الاستراتيجية الأهم لصنعاء في الظرف الراهن في قدرتها على مواصلة الحرب البرية فحسب، بل تتعداها إلى إمكانيتها الفذة في نقل بؤرة الأزمة من الجغرافيا اليمنية لتلقي بظلالها على البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وشرايين التجارة الإقليمية.

 

ويحمل هذا التحول في طياته أهميًة بالغةً؛ فالحرب التي رُسمت معالمها الأولى في الغالب داخل الأراضي اليمنية، باتت اليوم قادرةً على إرباك حسابات الملاحة البحرية، وأقساط التأمين، والمسارات التجارية، وأمن الطاقة. وبهذه الآلية، تمكنت صنعاء من إزاحة عبءٍ كبيرٍ من تكاليف الحرب عن كاهل الداخل اليمني، لتلقي به في الباحة الخلفية للاقتصاد والأمن السعوديين.

 

وهنا تتجلى الأهمية المفصلية لمضيق “باب المندب”؛ فقيمة هذا الممر المائي بالنسبة لصنعاء لا تقتصر على البعد العسكري، بل تتجاوزه ليكون رافعةً جيوسياسيةً حاسمةً. فكلما تصاعدت وتيرة المخاطر المحدقة بالتجارة البحرية السعودية، ولا سيما صادراتها النفطية، مالت كفة ميزان القوى لصالح صنعاء في رسم المعالم الجديدة للمعادلات السياسية.

 

ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى التهديدات البحرية كجزء لا يتجزأ من استراتيجية كبرى ترمي إلى إيصال رسالة واضحة المعالم مفادها: لن تتسنى صياغة أي معادلة سياسية في اليمن بمعزل عن الإقرار بقدرة صنعاء على التأثير وإحداث تغيير في المحيط الإقليمي لليمن.

 

تتبوأ الحديدة في هذه المعادلة مكانةً تتخطى كونها مجرد محورٍ بري؛ إذ ترتبط السيطرة على هذه المنطقة وضمان أمنها ارتباطاً وثيقاً بإطلالة اليمن على البحر الأحمر. وبوصفها الشريان الأهم لواردات صنعاء، فهي تمثّل رئة التنفس الاقتصادي والتجاري لها. ومن هذا المنطلق، فإن أي إخلالٍ جوهري بتوازن القوى فيها، من شأنه أن يفرز تداعياتٍ إقليمية واسعة النطاق.

 

وفي هذا الإطار بالتحديد، ينبغي قراءة وتحليل تصاعد وتيرة الاشتباكات في جنوب الحديدة. فالأمر بالنسبة لصنعاء لا يقتصر على التشبث برقعة جغرافية، بل يتجاوزه إلى حماية العمق البحري والاحتفاظ بورقة الضغط على خطوط الملاحة والمواصلات.

 

وفي المقابل، فإن أي مسعى من قِبل القوات المناهضة لصنعاء لتغيير الأمر الواقع في هذه المنطقة، ينطلق من الحسابات ذاتها. ولهذا السبب، تبدو الحديدة مرشحةً لتصبح، في المرحلة المقبلة من الحرب، إحدى أهمّ البؤر التي يتلاحم فيها الضغط البري مع الردع البحري.

 

لعل من أبرز الخطايا التحليلية اختزال الأزمة اليمنية في ثنائية الصراع بين السعودية وصنعاء؛ فواقع الحال في جنوب اليمن أشدّ تعقيداً وتشابكاً مما يبدو.

 

إذ يشكّل التنافس المحموم بين السعودية والإمارات على صياغة المستقبل السياسي والأمني للجنوب، جزءاً لا يتجزأ من هذه المعادلة. وتشي التطورات في عدن، وتآكل نفوذ “المجلس الانتقالي الجنوبي”، بأن الرياض، بموازاة تصديها لصنعاء، تسعى جاهدةً لإعادة هيكلة هندسة السلطة في المناطق الجنوبية.

 

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المسألة تكتسب أهميةً قصوى؛ فالسعودية لن تبلغ غايتها بمجرد إضعاف صنعاء. وإذا ما تحوّل الجنوب اليمني هو الآخر إلى حلبة صراع بين القوى المحلية ورعاتها الخارجيين، فإن أي تسوية وطنية شاملة في اليمن ستصطدم بعقبات أعتى وعراقيل أشدّ.

 

وخلاصة القول إن اليمن يواجه فعلياً ثلاثة مستويات متزامنة من الصراع: الصراع السعودي مع صنعاء، والتنافس بين الفاعلين في الجنوب اليمني (السعودية والإمارات)، فضلاً عن التجاذبات الإقليمية.

 

تكمن معضلة الرياض الكبرى في حاجتها الماسة إلى شن حرب شاملة ومفتوحة لقلب موازين القوى، غير أن هذا الخيار ذاته قد يجرّها نحو المستنقع الذي تستميت في الفرار منه: العودة إلى حرب الاستنزاف. وهنا تبرز مفارقة جوهرية.

 

فإذا ما أوغلت السعودية في الانسحاب والتراجع، فقد تفقد ثقلها السياسي والعسكري، وإذا ما اندفعت في التوغل والهجوم، فإنها ستضاعف من خطر استجلاب رد فعل عنيف من قِبل صنعاء واتساع رقعة الحرب مجدداً.

 

وبناءً عليه، من المرجح أن ترتكز سياسة الرياض، في المدى المنظور، على ممارسة ضغوط محدودة، والانخراط في مسار التفاوض، ودعم القوى المحلية، والسعي الحثيث للحيلولة دون إحداث أي تغيير جذري في موازين القوى.

 

على الرغم من القيود الاقتصادية والعسكرية، تنفرد صنعاء بميزة جوهرية؛ إذ إن بنيتها القائمة على الصمود الاقتصادي وطاقتها التحفيزية (أيديولوجيتها التعبوية) مصاغةٌ بطريقة تمكّنها من مواصلة الحرب وتكبّد تكاليف مغايرة تماماً لما تتحمله دولة كلاسيكية كالمملكة العربية السعودية.

 

فبالنسبة للرياض، تُترجم كل جولة جديدة من الحرب إلى نزيف مالي وأمني وسياسي. أما بالنسبة لـصنعاء، فإن الحفاظ على جذوة المقاومة متقدةً وبثّ حالة من اللايقين في المحيط الإقليمي، يشكلان جزءاً أصيلاً من استراتيجية البقاء وأوراق المساومة.

 

ولهذا السبب، تبدو المعادلة بين الطرفين غير متكافئة البتة؛ فالسعودية تنشد تقليص مساحة اللايقين، بينما تملك صنعاء القدرة على توظيف استدامة هذا اللايقين كأداة ضغط فعّالة. وهذا التباين الصارخ في الأهداف هو أحد الأسباب الجوهرية التي تجعل بلوغ تسوية نهائية أمراً بالغ الصعوبة.

 

في ظل هذه المعطيات، يتصدر استمرار “الحالة الرمادية” قائمة السيناريوهات الأكثر ترجيحاً: فلا تسوية سياسية نهائية تلوح في الأفق، ولا الحرب مرشحة للعودة إلى ضراوة سنواتها الأولى. ووفقاً لهذا السيناريو، ستمضي عجلة المفاوضات قدماً، ولكن بالتوازي مع إبقاء العمليات المحدودة والضغوط البرية والتهديدات البحرية كأدوات مساومة فاعلة على الطاولة.

 

ويبرز الخطر الداهم متى ما توهمت السعودية قدرتها على إحداث تغيير جذري في موازين القوى عبر عملية خاطفة وواسعة النطاق. ففي ظروف كهذه، قد تتسبب أي مغامرة تكتيكية في الحديدة أو عدن أو البحر الأحمر، في تفعيل سلسلة من التفاعلات الارتدادية التي من شأنها تحويل الوضع الهش القائم إلى حرب أوسع نطاقاً وأشدّ ضراوةً.

 

لقد دخلت الأزمة اليمنية اليوم منعطفاً حاسماً، بات فيه المنتصر هو مَن يمتلك الدهاء لنقل أعباء الحرب وتكاليفها إلى كاهل خصمه.

 

ففي حين تبحث السعودية عن مخرج متدرج من وحل الحرب وإرساء حالة يمكن إدارتها والسيطرة عليها؛ تسعى صنعاء، في المقابل، إلى الاحتفاظ بقدرتها على تكبيد العدو خسائر فادحة، دون التورط في حرب استنزاف مهلكة.

 

ومن هنا، فإن معالم معادلة اليمن المستقبلية لن ترتسم عبر استنساخ سياسات بناء التحالفات وشن العمليات الجوية والبرية، بقدر ما ستتبلور من خلال التزاوج بين الصمود، وبراعة توظيف الروافع الجيوسياسية (كالحديدة وباب المندب والبحر الأحمر)، والقدرة على إلحاق أبهض الأثمان بالطرف الآخر.

 

آخر الاخبار