لا تزال تداعيات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تصفير النفط الايراني ومنعها من التصدير تجتاح كواليس الدول التي من المقرر أن تلبي رغبة ترامب وتسد حاجة الأسواق العالمية، حيث تدور تساؤلات كبيرة حول امكانية تحقيق ذلك، خاصة وأن الارقام تتحدث عكس ذلك، وهل يمكن القول أن آل سعود أجبروا على الدخول في متاهة قد تجعل ترامب يصب جام غضبه عليهم؟.
ما هي خطة ترامب؟
بكل تأكيد لم يصدر ترامب قراره إلا بعد أن أجرى مشاورات داخل الادارة الامريكية ومع الدول التي تريد سد العجز أو النقص في الأسواق العالمية، وهنا يراهن ترامب على ثلاثة أمور:
1- زيادة إنتاجها من النفط
2- زيادة إنتاج كل من السعودية والإمارات
3- استمرار الضغوط على أوبك لرفع الإنتاج قبل الاجتماع المزمع في يونيو/حزيران المقبل.
لكن ما مدى امكانية تحقيق ذلك؟
قبل عدة سنوات وبالتحديد خلال الفترة التي رافقت رفع العقوبات عن ايران وابرام الاتفاق النووي أي في العام 2015 الذي شهد زيادة في انتاج النفط الايراني ووصل إلى عتبة الـ 4 ملايين برميل يوميا خلال العام 2017 ثم تراجع إلى 3.560 ملايين برميل يومياً في 2018.
ومؤخرا وبعد سلسلة العقوبات التي فرضتها واشنطن وحسب إحصائيات شركة "تانكر تراكرس" في لندن، التي تراقب حركة الحاويات النفطية في العالم، فإن إيران صدرت في شهر مارس/ آذار الماضي نحو 1.9 مليون برميل يومياً، منها 1.4 مليون برميل خامات، ونصف مليون برميل من المكثفات النفطية.
ومع ذلك لاتزال امكانية تعويض النفط الايراني غير ممكنة حاليا، اذ تمتلك إيران رابع أكبر دولة في احتياطي النفط في العالم بواقع 160 مليار برميل نفط، بينما تمثل صادرات النفط نحو 70 إلى 80 في المائة من إيراداتها.
وفي الحقيقة لن تستطيع السعودية تعويض نقص إمدادات النفط الإيراني بمفردها وفي ظل إمكاناتها الحالية في الإنتاج، فربما تستطيع على المدى القصير رفع إنتاجها أو الاستعانة بمخزونها النفطي لتعويض النقص، لكن على المدى الطويل لن تستطيع ذلك، بسبب إمكاناتها الحالية التي لن تستطيع تحقيق زيادة كبيرة في الإنتاج عن الأرقام الحالية.
وفي هذا الاطار كتبت ايرينا سلاف في موقع "اويل برايس" : "قد يزيد السعوديون إنتاج النفط هذا الشهر، لكن هذا لايعني اطلاقا زيادة صادرات هذا البلد". تقول هذه المصادر أنه سيتم إنفاق فائض الإنتاج على الإنتاج المحلي للكهرباء. قد يكون هذا مصدرًا لعدم الارتياح لدى ترامب الذي طلب منهم زيادة صادراتهم بعد أن اصدر قرارا يفضي إلى منع تمديد جميع اعفاءات استيراد النفط الايراني، وذلك لمنع رفع سعر برميل النفط وزيادة صادرات بلاده من النفط الصخري على حساب ايران. وقال مصدر مطلع إن من المرجح أن يظل السعوديون عند نفس المستوى من انتاج النفط لمدة شهر أو شهرين. السعودية في الحقيقة ليس لديها رغبة في زيادة الإنتاج إلى أكثر من 10.3 مليون برميل يوميًا، حيث إنهم ملزمون باتفاقية أوبك ، لكن من ناحية أخرى يتعرضون لضغوط من الولايات المتحدة لزيادة الإنتاج.
حتى الآن، كانت ردة فعل الأسواق على إلغاء إعفاء مشتري النفط الإيراني من العقوبات معتدلة بسبب إعلان الرياض استعدادها لتعويض النقص ومد الأسواق بالكميات اللازمة من النفط. وهنا تنقسم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية لأن الاخيرة تريد خفض الانتاج لزيادة سعر برميل النفط بينما واشنطن تريد زيادة الانتاج لتخفيض سعر البرميل وعدم احداث بلبلة داخل المجتمع الأمريكي الذي لن يغفر لترامب دوث اي خلل.
وقال وزير النفط الإيراني السابق رستم قاسمي إن السعودية لن تستطيع بشكل كامل سد النقص في إمدادات النفط الايرانية على المدى الطويل.
من جهته، قال رئيس البرلمان الايراني علي لاريجاني إن السعودية والإمارات لا تمتلكان القدرة لإنتاج النفط أكثر من النسبة الحالية، ورأى أن التعاون السعودي الأميركي بشأن النفط يعد حربا نفسية ضد إيران.
واعتبر لاريجاني أن واشنطن تستحوذ على نفط عدد من البلدان منها السعودية، وأنها حاليا تسعى وراء نفط فنزويلا عبر التدخل في شؤونها الداخلية مثلما فعلت في ليبيا.
وحاليا تشير جميع التوقعات إلى أن السعودية لن تستطيع بمفردها تعويض السوق عن 2.5 مليون برميل من النفط الإيراني "قبل العقوبات" و1.7 مليون برميل في الأشهر الأخيرة منذ تطبيق العقوبات الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وترى مجموعة "يورو آشيا" في تحليل نفطي، أن أميركا لن تستطيع تنفيذ وعدها بخفض صادرات النفط الإيرانية إلى صفر، بسبب أوضاع السوق النفطية الحالية.
الأمر الأخر الذي يمنع ترامب من الوصول إلى مراده، يتعلق باشتعال التوتر في مناطق رئيسية لإنتاج النفط أثر على إنتاجها مما يزيد من صعوبة تعويض نقص الإمدادات، فقد تراجع إنتاج فنزويلا في 2018 إلى 1.339 مليون برميل يومياً، مقابل 1.911 مليون برميل في 2017، بينما كانت تضخ في الوضع الطبيعي 3 ملايين برميل نفط يومياً قبل أن تتهاوى الأوضاع في السنوات الثلاث الماضية.
كما تراجع إنتاج ليبيا من النفط وهي منتج رئيس للخام إلى 1.1 مليون برميل يومياً، بعدما كان 1.8 مليون برميل تقريباً في 2010.
في الختام؛ لا نعلم إلى متى تستطيع السعودية مغازلة ترامب وتلبية مطالبه خاصة وأن مصالحهما تتعارض في موضوع النفط، والسبب في حاجة المملكة العربية السعودية إلى ارتفاع أسعار النفط هو خطط ولي العهد الاقتصادية الطموحة التي تتطلب استثمارات ضخمة.
بالإضافة إلى ذلك، من حيث توازن الميزانية، لا تزال البلاد في وضع غير جيد، حيث بلغ العجز 4.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام. على الرغم من أن سد هذه الفجوة ليس حاسمًا للمملكة ، إلا أن الحكومة تتطلع إلى تغطية عجز الموازنة.