وفي هذا السياق، رصدت صحيفة "ذا نيويورك تايمز" تحوّلًا لافتًا في مقاربة السلطات، من الاندفاع نحو المشاريع العملاقة إلى اعتماد نهج أكثر براغماتية يقوم على إعادة تقييم الأولويات وترشيد الإنفاق في ظل ضغوط مالية متزايدة.
قبل عشر سنوات، قدّم محمد بن سلمان نفسه كمهندس لتحول جذري يهدف إلى إنهاء اعتماد "السعودية" على النفط. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد تغيرات اجتماعية واقتصادية لافتة، من بينها دخول النساء سوق العمل بشكل أوسع، وتراجع نفوذ المؤسسات الدينية التقليدية، إلى جانب انخفاض معدلات البطالة عبر توطين بعض الوظائف التي كانت حكرًا على العمالة الأجنبية.
لكن، كما تشير "ذا نيويورك تايمز"، ظل النفط العامل الحاسم في تحديد مسار الاقتصاد. فمع ارتفاع أسعاره بين عامي 2021 و2022، اندفعت الحكومة لإطلاق مشاريع ضخمة، مثل مدينة التزلج الجبلية "تروجينا"، وناطحة السحاب المكعبة "المكعب"، إضافة إلى تمويل دوري "LIV" للغولف. غير أن تراجع الأسعار لاحقًا، إلى جانب تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران وما رافقها من تهديدات لصادرات النفط، فرض ضغوطًا متزايدة على المالية العامة.
في هذا السياق، أعلن صندوق الاستثمارات العامة، الذي تُقدّر أصوله بنحو تريليون دولار، عن استراتيجية جديدة تركّز على "الكفاءة". ونقلت الصحيفة عن محافظ الصندوق، ياسر الرميان، قوله إن الإدارة طلبت تحديد المشاريع "الضرورية" وتأجيل أو تعليق ما وصفه بـ"الأمور الجيدة"، في إشارة واضحة إلى إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية.
وتوضح "ذا نيويورك تايمز" أن هذا التحول لم يبقَ نظريًا، إذ بدأت ملامحه تظهر فعليًا عبر مراجعة أو تعليق عدد من المشاريع الكبرى. فقد تم تأجيل استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029 في "تروجينا"، فيما أفادت تقارير بتعليق العمل في مشروع "المكعب" لإعادة تقييم جدواه. كما برزت مؤشرات على احتمال سحب الدعم المالي من دوري "LIV" للغولف.
ويرى خبراء اقتصاديون، نقلت عنهم الصحيفة، أن هذه التطورات تعكس حقيقة أساسية مفادها أن الاقتصاد لا يزال مرتبطًا بشكل وثيق بعائدات النفط. ويقول زياد داود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في "بلومبرغ إيكونوميكس"، إن "القصة تبدأ وتنتهي بالنفط"، مشيرًا إلى أن تراجع الأسعار خلال السنوات الماضية دفع المسؤولين إلى إدراك أنهم ربما بالغوا في التوسع.
ورغم نجاح الحكومة في تنويع بعض مصادر الإيرادات عبر فرض ضرائب ورسوم جديدة، إلا أن الإنفاق المرتفع على المشاريع الطموحة تجاوز في كثير من الأحيان قدرة الدولة المالية. ووفقًا لما أوردته "ذا نيويورك تايمز"، سجلت الميزانية عجزًا في معظم السنوات العشر الماضية، مع توقعات باستمرار هذا الاتجاه في السنوات المقبلة.
الحرب في المنطقة، رغم مساهمتها في رفع أسعار النفط، لم تخفف الضغوط بالكامل. إذ أشار الرميان في مقابلة إلى أن هذه التطورات تزيد الحاجة إلى إعادة تقييم الاستثمارات بناءً على جدواها الاقتصادية. وهو ما يعكس، بحسب الصحيفة، تحوّلًا تدريجيًا في أسلوب إدارة الاقتصاد.
هذا التحول يرتبط أيضًا بتغيّر صورة محمد بن سلمان نفسه. فبعد أن قدّم نفسه في بداياته كقائد "مُعطِّل" على غرار رواد التكنولوجيا الذين يتبنون شعار "التحرك بسرعة وكسر القواعد"، بات يميل في السنوات الأخيرة إلى دور أكثر حذرًا، مع التركيز على الدبلوماسية وتقليل بعض مظاهر الإنفاق المفرط. وقد أكد في تصريحات سابقة أن الحكومة لن تتردد في تعديل أو إلغاء أي برنامج إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.
في المقابل، ترى أصوات منتقدة أن هذه المراجعات تكشف غياب الشفافية في إدارة المشاريع الكبرى. وتنقل "ذا نيويورك تايمز" تساؤلات حول حجم الأموال التي أُنفقت على خطط قد يتم التخلي عنها، فضلًا عن الآثار الاجتماعية لبعض المشاريع، مثل تهجير مجتمعات محلية لصالح مشاريع قد لا ترى النور، كما في مشروع "نيوم".
كما يلفت التقرير إلى مفارقة لافتة، تتمثل في استمرار الاستثمارات الكبيرة في بعض القطاعات، مثل صناعة ألعاب الفيديو، رغم الحديث عن التقشف. فقد أعلن الصندوق السيادي عن استثمارات ضخمة في هذا المجال، في وقت تُراجع فيه مشاريع أخرى، وهو ما يعكس تداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الاهتمامات الشخصية لصانع القرار.
تشير "ذا نيويورك تايمز" إلى أن "السعودية" لا تتخلى عن طموحاتها الكبرى، لكنها تعيد ضبط إيقاعها بما يتناسب مع الواقع المالي والسياسي. فالمشاريع المرتبطة باستضافة "إكسبو 2030" وكأس العالم 2034، إلى جانب الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ما تزال تحظى بالأولوية باعتبارها "حيوية".
ومع ذلك، يبقى العامل النفطي حاضرًا بقوة في تحديد الاتجاهات المستقبلية. فبحسب تقديرات الخبراء، قد تعود موجة المشاريع العملاقة إذا ارتفعت الأسعار مجددًا. لكن حتى ذلك الحين، يبدو أن "السعودية" دخلت مرحلة جديدة عنوانها: تقليص الطموح إلى حدود الممكن، دون التخلي الكامل عن الرهان على التحول الاقتصادي.