المقالات المنشورة تعبر عن وجهة
نظر
أصحابها
ولا تعبر بالضرورة
عن وجهة نظر الموقع
عندما تملأ الوثائق الاستخبارية الفراغات المحيرة
طوال سنوات ولاية دونالد ترامب الأولى (2017–2021)، عاش المراقبون للشأن الخليجي حالة من الذهول أمام تحولات دراماتيكية قلبت عقوداً من تقاليد الحكم وإدارة الدولة:
صعود خاطف للأمير محمد بن سلمان، سحق مراكز القوى التقليدية داخل الأسرة الحاكمة والجيش والأجهزة الأمنية، انسحاب أميركي انفرادي من الاتفاق النووي مع إيران، وهرولة متسارعة نحو هندسة أمنية جديدة تخدم إسرائيل وواشنطن.
كنا نعلم بالتحليل والمتابعة أن هذا الصعود لم يكن ليحدث لولا “شيك على بياض” من البيت الأبيض عبر كوشنر، ولكن كتاب الصحفي الاستقصائي الأميركي ماثيو كول، المعنون بـ «أمراء ولصوص: المؤامرة السرية لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط» ، يأتي ليقدم الوثيقة التنفيذية والمالية الكاملة؛ كاشفاً كيف كانت مليارات الدولة في السعودية وأبوظبي هي الوقود الحقيقي لتلك الترتيبات.
1. الاختراق الهولندي: بداية السقوط التقني للشبكة السرية
تبدأ خيوط الكتاب بضربة استخبارية غير متوقعة:
في أواخر 2017، جنّدت الاستخبارات العسكرية الهولندية (MIVD) قرصاناً يعمل لصالح المخابرات الروسية، مما فتح نافذة مباشرة على خادم سري يحتوي على نسخ احتياطية لهاتف جاريد كوشنر الشخصي، وصولاً إلى استغلال ثغرة لمراقبة شاشة هاتفه مباشر في مطلع 2018.
ما وثقه الهولنديون لم يكن تواصلاً سياسياً عبر التطبيقات المشفرة ، بل رصد مباشر لتدفقات نقدية بمليارات الدولارات وإدارة حسابات بنكية عبر أذربيجان والإمارات بتمويل مباشر من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد.
لقد كشف هذا الرصد أن كوشنر كان يدير شبكة مصرفية سرية موازية لصالح تفاهماته مع الحاكمين الفعليين في الرياض وأبوظبي، بعيداً تماماً عن أعين الخارجية والبنتاغون والـ CIA.
2. تقاطع كشوفات الكتاب مع وقائع الانقلاب الداخلي لمحمد بن سلمان (2017–2018)
القيمة الحاسمة للكتاب تكمن في تقديم التفسير المالي لما حدث في الرياض خطوة بخطوة:
أ. إطاحة محمد بن نايف وصفقة العرش مع كوشنر (صيف 2017):
- الواقعة المعروفة: في يونيو 2017، تم عزل الأمير محمد بن نايف، رجل أجهزة الاستخبارات الأميركية التاريخي، من ولاية العهد ووزارة الداخلية وفرض الإقامة الجبرية عليه، ورغم اعتراض أركان المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية ووزير الخارجية ريكس تيلرسون حينها، مضت الإطاحة بسلاسة بفضل غطاء مطلق وفره كوشنر من البيت الأبيض.
- كشف الكتاب: يوثق الكتاب أن هذا الانقلاب كان جزءاً من “المقايضة الثلاثية”؛ حيث قدم كوشنر التغطية السياسية الكاملة لمحمد بن سلمان مقابل التزام مالي بإنشاء صندوق سري تجاوزت قيمته المبدئية 10 مليارات دولار لتمويل مشاريع ترامب السياسية (بما فيها تمويل بناء الجدار مع المكسيك لدعم فرصه في إعادة انتخابه)، وعندما تراجعت هذه الفكرة لصعوبتها القانونية، تحولت فوراً إلى حسابات بنكية سرية بدأ بن سلمان وبن زايد بضخ مليارات الدولارات فيها مباشرة.
ب. زلزال الريتز كارلتون وزيارة كوشنر الليلية (خريف 2017):
- الواقعة المعروفة: في أواخر أكتوبر 2017، قام كوشنر بزيارة سرية غير معلنة إلى الرياض، سهر خلالها مع محمد بن سلمان حتى ساعات الفجر الأولى، وبعدها بأيام معدودة (4 نوفمبر 2017)، أطلق بن سلمان حملة اعتقالات “الريتز كارلتون” الشهيرة، مجرداً كبار أمراء آل سعود (كمتعب بن عبدالله والوليد بن طلال) ومئات من رجال الأعمال من ملياراتهم ومناصبهم، في خطوة كرست السلطة الفردية المطلقة.
- كشف الكتاب والتقاطع المالي: تزامنت هذه الزيارة الليلية وتلك الاعتقالات بالضبط مع تدشين أولى التحويلات المالية الضخمة في الحساب السري المشترك المسمى “ألفا”، والذي ضخ فيه الطرفان الخليجيان—بقيادة بن سلمان وبن زايد—مئات الملايين عبر مصارف أذربيجان، ما يؤكد أن كوشنر لم يقدم الضوء الأخضر السياسي فقط لقمع العائلة المالكة، بل كان ينسق تدفق الأصول والأموال الناتجة عن تلك التحولات.
ج. إنقاذ إمبراطورية عائلة كوشنر (عقار 666 الجادة الخامسة):
- الواقعة المعروفة: كانت شركة كوشنر العقارية تواجه شبح الإفلاس التام بسبب قرض مستحق بقيمة 1.2 مليار دولار في فبراير 2019 على عقارها الشهير بنيويورك.
- كشف الكتاب: يكشف الكتاب كيف تحولت هذه الأزمة العائلية لكوشنر إلى نقطة ابتزاز واستقطاب استغلها بن سلمان وبن زايد؛ حيث استُخدمت قنوات التمويل السري الخليجي لتوفير السيولة وضمان شبكات أمان مالية، مما جعل قرار السياسة الخارجية الأميركية مرتهناً بالكامل لحاجة كوشنر لإنقاذ شركته العقارية.
3. الهندسة المالية لشبكة الحسابات: تمويل بن سلمان وأبوظبي
يقدم الكاتب تفصيلاً دقيقاً ومطابقاً للأنماط المالية التي استخدمها التحالف الثلاثي (بن سلمان - بن زايد - كوشنر) لتفادي الرقابة الفيدرالية:
- حساب “ألفا” (بنك أبوظبي الأول):
- بإشراف طحنون بن زايد، استقبل الحساب 750 مليون دولار بتمويل سعودي-إماراتي مشترك.
- استخدم الحساب غطاء مؤسسة «وطني الإمارات» لتمويه حركات الأموال وإخفاء هويات المودعين، لكن الصدمة الكبرى كانت منح كوشنر حق التوقيع والتصرف المباشر بالأموال دون تسجيل ملكيتها باسمه.
- مرور التمويل عبر بنوك أذربيجان بعمولات اقتطاع بلغت 6 إلى 7% لغرض صريح: طمس الأثر المالي الآتي من الرياض وأبوظبي لقطع أي خيط يربط كوشنر بالمسؤولين الخليجيين جنائياً.
- حساب “بيتا” والترتيبات مع إسرائيل (البنك المركزي الإسرائيلي):
- استكمالاً لـ “صفقة القرن” وتأمين الدعم الإسرائيلي المطلق لصعود بن سلمان وتبييض صفحته في واشنطن، تم تحويل نحو مليار دولار بموافقة نتنياهو إلى إسرائيل، ونقل أجزاء منها لاحقاً إلى قبرص، بالتوازي مع تمويل ترتيبات دفاعية واستخبارية سرية، ومدفوعات لشخصيات أمنية ومرتزقة لتنفيذ عمليات خاصة خارج الأطر القانونية.
4. من “ألفا وبيتا” إلى “صندوق المليارين”: الدليل القاطع بعد الخروج من السلطة
إذا كان محامو كوشنر ينفون اليوم وجود حسابات “ألفا وبيتا”، فإن الواقع الملموس بعد مغادرته البيت الأبيض يقدم الدليل الذي لا يقبل الشك:
- بمجرد مغادرة ترامب للسلطة في يناير 2021، أسس كوشنر شركة استثمارية خاصة باسم «Affinity Partners».
- في تصرف فج خالف حتى توصيات اللجنة الاستشارية المهنية، أصدر محمد بن سلمان أمراً شخصياً مباشراً بضخ ملياري دولار (2,000,000,000 دولار) من أموال “صندوق الاستثمارات العامة السعودي” في شركة كوشنر الوليدة التي لم تكن تملك أي سجل أعمال، مع دفع رسوم إدارة سنوية بعشرات الملايين.
- هذا الاستثمار الفاضح لم يكن “صفقة تجارية”، بل كان ببساطة تسوية الفواتير المؤجلة وتتويجاً للحسابات السرية المشتركة التي بدأت في عهد ترامب لتسديد ثمن الدعم المطلق لولي العهد وتثبيته في موقعه وتغطية كافة انتهاكاته أمام الكونغرس والإعلام الغربي.
خلاصة: عندما تصبح ثروات الشعوب ثمن التمكين الفردي
إن ما يفجره كتاب ماثيو كول، عند مطابقته مع التحولات التي عشناها، يثبت حقيقة مركزية واحدة:
لقد شهدت السعودية تحولاً خطيراً من “دولة المؤسسات البيروقراطية” والتوازنات الداخلية إلى “حكم فردي مطلق” أُلغيت فيه كافة أشكال الرقابة والمحاسبة.
وفي هذا النموذج، لم تعد ثروات النفط واحتياطيات الأجيال تُنفق وفق خطط تنموية أو معايير سيادية، بل تحولت إلى صناديق رشى سياسية سوداء تُمرر عبر أذربيجان وتصب في حسابات سرية في أبوظبي وإسرائيل، لشراء حماية كوشنر والبيت الأبيض.
إن كتاب «أمراء ولصوص» يضع أمامنا وثيقة تاريخية دامغة:
إن التفريط في المال العام وثروات الأمة لم يكن مجرد فساد إداري، بل كان الركيزة الأساسية التي بنى عليها محمد بن سلمان صعوده الفردي المطلق على حساب أمن بلاده، ومؤسساتها، ومستقبل أجيالها.