تأبى الولايات المتحدة الامريكية عبر اداراتها المتتالية أن تسمح للشرق الأوسط أن يبقى مستقرا للحظة واحدة ومن حسن حظ واشنطن أن هناك مجموعة من الأنظمة المتواجدة في منطقتنا تساعدها على تنفيذ مشاريعها حتى لو كان هذا الأمر على حساب شعبها وجيرانها واقتصادها وعلاقاتها الاستراتيجية وهذا ينطبق على العلاقة بين آل سعود والادارات الأمريكية المتعاقبة، حيث لم يتمكن ملوك آل سعود من الوقوف في وجه قرارات واشنطن ولا مرة منذ وصول آل سعود للسلطة وحتى اللحظة، وها هو الأمر يتكرر من جديد في موضوع "حظر النفط الايراني بالكامل" بناءا على قرار اتخذه دونالد ترامب يوم الاثنين الماضي، حيث وافقت السعودية على القبول بقرار ترامب والترحيب به واعلان تعويضها للنقص الذي سيصيب الأسواق العالمية جراء هذا الحظر والمحافظة على أسعار النفط عند أدنى مستوياتها وإلا سيتلقى آل سعود نصيبهم من عقوبات واشنطن.
ترامب يفضح رضوخ آل سعود للمرة العاشرة بعد الألف
من دون أدنى شك يرغب آل سعود بأن تضغط الادارة الأمريكية على السلطات الايرانية قدر المستطاع بحكم المنافسة الحاصلة بين الطرفين في منطقة الشرق الأوسط ولكن المبالغة في الضغط على ايران ستنعكس بشكل سلبي على السعودية على اعتبار أنهم يتجاورون بالمياه الخليجية التي تعد معبرا آمنا لناقلات النفط العالمية الايرانية والسعودية وجميع مشتقات النفط التي تخرج من هذه المياه إلى جميع نقاط العالم وجميع هذه المنتجات تمر عبر مضيق هرمز وفي حال تطبيق الحظر على ايران ستعمد الاخيرة على اغلاق مضيق هرمز وهذا الأمر سيفجر الأوضاع في المنطقة ويهدد بنشوب حرب كبيرة لن تكون في صالح أحد ومع هذا تضطر السعودية للرضوخ للارادة الأمريكية وإلا فإن حكم آل سعود سيكون في خطر، وقد سبق أن قال الرئيس الأمريكي هذا الكلام بصريح العبارة موجها كلامه للملك سلمان وآل سعود قائلا أنهم لن يبقوا في الحكم أسبوعا واحدا دون الحماية الأمريكية.
من الناحية النظرية سيكون تطبيق الحظر على ايران ومنعها من تصدير نفطها إلى العالم لصالح السعودية على اعتبار ان سعر برميل النفط سيتجاوز عتبة الـ80 دولار وبهذا تتمكن المملكة من سد العجز في موازنتها العامة المقدّر بـ 131 مليار ريال (35 مليار دولار) عن العام الجاري، وتعظيم عوائدها من الطاقة، وتحسين مركزها المالي، وخفض الدين العام والاقتراض خاصة الخارجي، لكنها في الحقيقة لن تتمكن من فعل ذلك في ظل ادارة الرئيس ترامب، الذي أجبرها على زيادة انتاج النفط منعا لرفع أسعاره ، وهذا الموقف عبّر عنه ترامب يوم الإثنين الماضي عندما غرّد قائلاً إن "السعودية وغيرها من دول أوبك ستعوض أي نقص في إمدادات النفط، بل وستزيد، الفارق في تدفق النفط الناجم عن فرضنا عقوبات كاملة على النفط الإيراني".
ولكن هل ستتمكن السعودية من تغطية النقص الذي سيسببه حظر النفط الايراني في الاسواق العالمية؟.
بلغ انتاج السعودية من النفط 10,7 مليون برميل بزيادة 700 ألف برميل في شهر أيار/ مايو الماضي على أن يبلغ الإنتاج السعودي في شهر أيار/ مايو المقبل 11 مليون برميل بزيادة 300 ألف برميل كحد أقصى. وإلى جانب السعودية ينبغي أن يزداد الإنتاج الأميركي من 10,25 مليون برميل إلى 11 مليون برميل بحسب معهد "إينرجي إسبكتس" المتخصص باستراتيجيات النفط. وفي هذه الحسابات لا تعوّض أميركا والسعودية والامارات مليوني برميل إيراني في السوق.
بالاضافة إلى ماسبق فإن ذلك سيقوض تلقائياً ثقة أعضاء "أوبك" والمنتجين خارجها، أو ما يطلق عليه "أوبك +"، في القرار النفطي السعودي في المستقبل. وبالتالي سيصبح اجتماع "أوبك +" المقبل في فيينا المقرر عقده في يونيو/ حزيران المقبل بلا معنى، حيث إن الاجتماع مخصص للنظر في تمديد خفض الإنتاج بعد انتهاء مدته. وها هي الرياض تتعهد بزيادة الإنتاج خلافاً لما كانت تجادل ضده وتسعى لإقناع الأعضاء به، وهو "خفض الإنتاج".
ومن اللافت أن آل سعود الذين يقودون منظمة اوبك على اعتبار أنهم أكبر منتج للنفط في العالم لا ينبسو ببنت شفة عندما هاجم ترامب المنظمة متهماً إياها بالاحتكار، ومهدداً بمقاضاتها بهدف دفعها نحو زيادة الإنتاج وبالتالي خفض الأسعار، وقال "يجب على أوبك المحتكرة أن تتذكر أن أسعار البنزين مرتفعة وأنهم لا يفعلون شيئاً يذكر للمساعدة".
اذا ترامب يهاجم اوبك ويحظر النفط الايراني ويجبر السعودية على زيادة الانتاج لابقاء أسعار النفط عند حدودها الحالية لكي يخبر الشعب الأمريكي بأن رئيسهم بطل ويفعل كل ما بوسعه لتحقيق رفاهية المواطن الأمريكي ويقدم خدمة مجانية للولبيات الصهيونية في امريكا لكي تسانده في الانتخابات الأمريكية المقبلة في العام 2020، ولكن في مقابل هذا ماذا قدم آل سعود لخدمة الشعب والاقتصاد السعودي أم أن الشعب الأمريكي أهم من شعب المملكة.