وبحسب مصدر نقلت عنه تقارير إعلامية حديثة، أحبطت الأجهزة الأمنية السعودية قبل أيام محاولة لاستهداف مسؤول يمني ينتمي إلى الحكومة المعترف بها سعوديا، ويتمتع بنفوذ سياسي وقبلي، من دون الكشف عن هويته لأسباب أمنية.
وتتهم الرواية نفسها الإمارات بإعادة تنشيط شبكات اغتيالات سبق أن عملت في اليمن، وتقول إن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد كلّف مستشاره محمد دحلان بإعادة تفعيل هذه الشبكات لاستهداف شخصيات يمنية ترى أبوظبي أنها تقف في طريق مشروعها السياسي في جنوب اليمن.
لكن هذه الاتهامات لم تؤكدها السلطات السعودية أو الإماراتية رسميًا حتى الآن، ولذلك تبقى رواية المصدر بحاجة إلى أدلة مستقلة قبل التعامل معها باعتبارها حقيقة مثبتة.
لا تكمن أهمية الرواية فقط في محاولة الاغتيال المفترضة، بل في المكان الذي قيل إنها وقعت فيه. فالسعودية والإمارات كانتا حليفتين رئيسيتين في الحرب اليمنية، لكن مصالحهما في الملف اليمني أخذت تتباعد بصورة متزايدة.
تدعم الرياض بقاء اليمن ضمن إطار الدولة الواحدة والحكومة المعترف بها دوليًا، بينما دعمت أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بإقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن. وهذا التباين جعل مستقبل الجنوب اليمني واحدًا من أكثر الملفات حساسية بين البلدين.
وبحسب الرواية المتداولة، فإن انتقال الاستهداف المحتمل من اليمن إلى الأراضي السعودية يعني أن الخلاف لم يعد يدور فقط حول القوى المحلية المتنافسة داخل اليمن، بل قد يصل إلى شخصيات يمنية موجودة في السعودية وتحظى بحماية أو دعم الرياض.
اسم محمد دحلان ليس جديدًا في هذا الملف. ففي عام 2018، كشفت تقارير صحفية أمريكية عن برنامج لعمليات اغتيال موجهة في اليمن، ونقلت عن أبراهام غولان، الذي قاد فريقًا من متعاقدين عسكريين سابقين، قوله إن البرنامج كان بتكليف من الإمارات.
كما ظهرت تقارير عن دور محمد دحلان في التفاوض بشأن التعاقد مع شركة «سبير أوبريشنز غروب» لتنفيذ عمليات داخل اليمن.
وفي تطورات قضائية لاحقة، أعيد فتح الملف من خلال دعاوى ووثائق تتعلق بمحاولة اغتيال السياسي اليمني أنصاف علي مايو، مع ورود أسماء غولان ودحلان في سياق القضية والبرنامج المزعوم.
لكن وجود هذه الخلفية التاريخية لا يثبت تلقائيًا أن الشبكات نفسها عادت للعمل في السعودية، ولا يثبت أن دحلان يقف وراء المحاولة الأخيرة المزعومة.
يبرز كذلك اسم أبراهام غولان، المتعاقد الأمني الذي تحدث علنًا في السابق عن برنامج الاغتيالات في اليمن. وبحسب تقارير نقلت شهاداته، كان البرنامج يستهدف شخصيات سياسية ودينية يمنية، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تورط متعاقدين عسكريين أمريكيين سابقين في تنفيذ عمليات موجهة.
أما المعلومات الجديدة فتقول إن غولان جرى استبعاده من أي نشاط جديد مزعوم، لكن هذه النقطة أيضًا تستند إلى المصدر الذي نقل الرواية الأخيرة، وليست معلومة مستقلة مؤكدة.
بعيدًا عن صحة محاولة الاغتيال من عدمها، فإن الصراع السعودي الإماراتي حول اليمن لم يعد سرًا. فالمملكة تنظر إلى استقرار اليمن والحفاظ على إطار الدولة اليمنية باعتبارهما جزءًا من أمنها القومي، خصوصًا بسبب الحدود الطويلة بين البلدين.
في المقابل، بنت الإمارات خلال سنوات الحرب نفوذًا واسعًا في جنوب اليمن، ودعمت المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية مرتبطة به. وهكذا أصبح الطرفان، رغم استمرار التحالف الرسمي بينهما في ملفات عدة، أمام رؤيتين مختلفتين لمستقبل اليمن.
إذا ثبتت محاولة استهداف مسؤول يمني داخل السعودية، فإن الأمر سيكون أكثر خطورة من مجرد حادث أمني معزول. فالعمل داخل الأراضي السعودية ضد شخصية يمنية مرتبطة بالحكومة المعترف بها دوليًا سيعني، في حال ثبوت تورط جهة خارجية، أن الصراع على النفوذ في اليمن تجاوز حدوده الجغرافية.
وقد يضع ذلك الرياض أمام سؤال حساس: هل أصبحت الشخصيات اليمنية المناهضة للمشروع الإماراتي هدفًا حتى عندما تكون داخل الأراضي السعودية؟ لكن حتى الآن، لا توجد معلومات علنية كافية للإجابة عن هذا السؤال بشكل قاطع.
الأكيد أن ملف الاغتيالات في اليمن ترك إرثًا ثقيلًا خلال سنوات الحرب. وتشير تقارير سابقة إلى عشرات ومئات من عمليات الاغتيال والاستهداف التي طالت سياسيين ورجال دين وشخصيات أمنية، خصوصًا في عدن ومناطق جنوبية أخرى. كما ارتبط جزء من هذه الملفات بقوات مدعومة من الإمارات، وهي اتهامات نفتها أبوظبي أو رفضت تحمل مسؤوليتها.
واليوم، يعيد الخبر المتداول عن محاولة اغتيال داخل السعودية هذه الملفات إلى الواجهة، لكن بصورة أكثر حساسية. فإذا كانت الحادثة مجرد رواية غير دقيقة، فإنها تعكس حجم التوتر السياسي والحرب الإعلامية بين الأطراف المتنافسة. أما إذا ثبتت صحتها وظهرت أدلة تربطها بشبكات اغتيال سابقة، فإنها قد تكشف عن انتقال الصراع السعودي الإماراتي من منافسة على مستقبل اليمن إلى مواجهة أكثر خطورة تتجاوز حدوده.
وفي انتظار أي تأكيد رسمي أو تحقيق مستقل، تبقى القصة في منطقة الاتهامات الخطيرة التي تحتاج إلى أدلة، لا إلى الاستنتاجات. لكن مجرد ظهور رواية تتحدث عن محاولة اغتيال مسؤول يمني داخل السعودية يكشف إلى أي مدى أصبح الصراع على مستقبل اليمن حساسًا بين الحليفين السابقين، الرياض وأبوظبي.