أولاً: الارتهان العسكري للغرب والتحركات المشبوهة في الأجواء السعودية
شهدت الأجواء والقواعد العسكرية السعودية هذا الأسبوع تحركات عسكرية غربية مكثفة تعكس عمق التبعية والارتهان للإدارة الأمريكية والغرب. فقد تم رصد تحليق مقاتلات أمريكية من طراز F-16 وطائرات ترابري إيطالية من طراز C-130، إلى جانب طائرات دعم مساندة قريباً من مناطق استراتيجية وحيوية مثل أبقيق، الطائف، مكة، وحائل. وتؤكد التقارير أن هذه التحركات تكرس دور المملكة كقاعدة خلفية ومنطلق لأي عمليات عسكرية غربية محتملة ضد إيران.
وفي سياق متصل، تمارس واشنطن ضغوطاً متواصلة على الرياض مستغلةً حاجتها لمنظومات الدفاع الجوي من طراز باتريوت PAC-3 وثاد (THAAD)، وذلك لإجبار السعودية على فتح أجوائها وقواعدها بالكامل أمام العمليات العسكرية الأمريكية ضد طهران، في الوقت الذي تشير فيه البيانات إلى استنزاف حاد وتراجع خطير في مخزون الدفاعات الجوية السعودية. كما تجلت هذه السيطرة العملياتية في قيام واشنطن بمنح وسام عسكري أمريكي لأحد الطيارين لقيامه بمهام انطلقت من قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج، مما يثير تساؤلات حاسمة حول استخدام الأراضي والأجواء السعودية كمنطلق للاعتداءات الخارجية. ولتعزيز هذا التوجه، أقرت الإدارة الأمريكية صفقة تسليح جديدة للمملكة بقيمة 1.96 مليار دولار تشمل حوالي 20 ألف منظومة توجيه صاروخي APKWS-II للاستخدام الجوي والسطحي، وهو ما يمهد لجولة تصعيد عسكري جديدة.
ثانياً: التصعيد في اليمن وتداعياته الكارثية على المطارات والأجواء السعودية
على الصعيد الميداني، كشفت تقارير عن تنسيق سعودي مسبق مع إدارة ترامب للحصول على “ضوء أخضر” لشن هجمات على اليمن، متذرعةً باستهداف طائرة إيرانية كذريعة لضرب مطار صنعاء الدولي. ورغم استخدام المقاتلات السعودية من طراز “يوروفايتر” لصواريخ ستورم شادو (Storm Shadow) البريطانية الصنع (حيث أطلقت نحو 10 صواريخ)، إلا أن التقارير العسكرية أكدت فشل هذه الضربات في إحداث أضرار جوهرية توقف حركة المطار.
هذا التصعيد غير المحسوب قوبل برد فعل يمني مباشر طبق معادلة “الحصار بالحصار”، حيث استهدفت القوة الصاروخية وسلاح الجو المسير اليمني مطار أبها الدولي في جنوب المملكة. وأدى هذا الرد إلى شلل تام في حركة الملاحة الجوية بالمناطق الجنوبية؛ حيث أُلغيت وتأجلت أكثر من 358 رحلة جوية، وظلت مطارات أبها وجيزان ونجران مغلقة. وقد تركزت الخسائر التشغيلية بنسبة 75% على الخطوط الجوية العربية السعودية، وعلقت شركات طيران دولية مثل “فلای دبي” و"إير كايرو" رحلاتها، في حين أصدرت كندا تحذيراً لمواطنيها من السفر إلى أبها. وفي ظل هذه المخاوف الأمنية المستمرة في الأجواء السعودية، أعلنت شركة “لوفتهانزا” الألمانية عن استئناف مشروط ومحدود لرحلاتها إلى الرياض بدءاً من سبتمبر وأكتوبر القادمين بحذر شديد.
ثالثاً: التنسيق السياسي مع واشنطن وهرولة قطار التطبيع
تتزايد وتيرة التنسيق السياسي المباشر بين الرياض وواشنطن؛ حيث جرى اتصال هاتفي بين دونالد ترامب وولي العهد محمد بن سلمان للتباحث حول المفاوضات الأمريكية الإيرانية و"أمن الملاحة" في الخليج العربي ومضيق هرمز، وهو ما أظهر استجابة سريعة وتماهياً تاماً من القيادة السعودية مع الأجندة الأمريكية.
وفي هذا الإطار، كشفت تقارير عن خطة أمريكية يقودها كبار المسؤولين بالتنسيق مع السيناتور الراحل ليندسي غراهام للدفع بملف التطبيع بين السعودية وإسرائيل قبل انعقاد الكونغرس الجديد، مستغلين التصعيد الإقليمي ضد إيران كغطاء سياسي. وتزامن ذلك مع دعوة علنية وجهها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عبر شاشة قناة “العربية” التابعة للنظام السعودي، دعا فيها الرياض للدخول في مفاوضات مباشرة والانضمام إلى “اتفاقيات إبراهيم”. وعلى الصعيد الدبلوماسي، تشير مشاركة السعودية في مؤتمر الدول المانحة لفلسطين في بروكسل إلى أنها تحولت لمنصة لتسويق “رؤية ترامب” والاندماج الإقليمي كبوابة لتمرير التطبيع تحت غطاء المساعدات الإنسانية.
رابعاً: الاستنزاف المالي، الديون، ورهن المقدرات للشركات الأجنبية
خلف واجهة الدعاية والترويج لـ"رؤية 2030"، تكشف المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن وكالة Fitch للتصنيف الائتماني عن أزمة هيكلية متصاعدة؛ حيث يُتوقع أن يسجل النمو الاقتصادي لعام 2026 نسبة متدنية جداً لا تتجاوز 0.6%، مع عجز في الموازنة يصل إلى 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوقعات بتحول الحساب الجاري إلى عجز بنسبة 5% بحلول عام 2028. ويؤكد هذا الواقع ارتهان الدولة المطلق لعائدات النفط واعتمادها المصيري على خط أنابيب شرق-غرب لتأمين التصدير.
وقد انعكست هذه الضغوط المالية وشح السيولة بوضوح على المشاريع الكبرى؛ حيث تبحث مجموعة “روشن” الحكومية عن مستثمرين أجانب لتمويل بناء استاد أرامكو المخصص لاستضافة كأس العالم 2034. وفي القطاع النفطي، مُنحت شركة هاليبرتون الأمريكية عقداً بمليارات الدولارات لتطوير حقل الجاز المائي للغاز (الجافورة)، بما يشمل تشغيل أول منصة تصديع هيدروليكي ذكية، مما يسلم مفاصل الطاقة الحيوية للشركات الأمريكية.
كما تعززت المخاوف الاقتصادية بفشل المفاوضات النفطية بين السعودية والكويت بشأن المنطقة المحايدة بعد أكثر من 120 اجتماعاً دون حل الخلافات حول إدارة الحقول المشتركة وتطبيق مذكرة التفاهم لعام 2019. وفي سوق المال، افتتح مؤشر الأسهم السعودية “تاسي” تعاملاته على انخفاض بنسبة 0.5% مع تراجع أسهم قيادية مثل “المصافي” و"بترورابغ"، قبل أن يغلق لاحقاً على ارتفاع طفيف للغاية بنسبة 0.03% عند مستوى 10705 نقاط، وسط تقلبات مستمرة وتراجع لأسهم “أرامكو” و"الحفر العربية" و"أديس"، مما يعكس قلق المستثمرين.
خامساً: تآكل الخدمات العامة والإهمال الحكومي في المدن والمحافظات
تظهر أزمة التنمية المحلية بوضوح الفجوة الهائلة بين الإنفاق البذخي على المشاريع الاستعراضية والمعاناة اليومية للمواطنين في مختلف المناطق:
سادساً: التخبط الإداري والصراعات الإقليمية
شهدت البنية الإدارية الحكومية تغييرات وزارية مفاجئة تعكس حالة من عدم الاستقرار وإعادة توزيع النفوذ؛ حيث تم تعيين عبد العزيز بن سلمان وزيراً للصناعة والثروة المعدنية بالإضافة إلى منصبه وزيراً للطاقة، وعُيّن بندر الخريف مشرفاً على قطاع الصناعات العسكرية، إلى جانب إقالات وتعيينات جديدة طالت النيابة العامة، وزارة العدل، أمانة جدة، والبنك المركزي.
أما على الصعيد الإقليمي، فتستمر الرياض في خوض صراع نفوذ وتنافس محموم مع الإمارات في السودان والقرن الأفريقي؛ حيث تدعم السعودية قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في مواجهة الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع بقيادة “حميدتي”. وضمن هذا التنافس، اتهمت تقارير النظام السعودي بالاستعانة بمجموعات وشركات أمنية أجنبية (تضم مدربين من رومانيا، أوكرانيا، جنوب أفريقيا، وكولومبيا) لتدريب أكثر من 5100 مقاتل صومالي في منطقة غلغدود، تمهيداً لزجهم في الصراع السوداني لحساب الأجندة السعودية.
سابعاً: القبضة الأمنية وتصاعد الانتهاكات الحقوقية
تواصل السلطات السعودية استخدام القبضة الأمنية المفرطة لترهيب وتصفية الحسابات مع المعارضين والعلماء والمهاجرين:
1. استهداف العلماء والمصلحين: شنت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات استهدفت علماء الدين البارزين في منطقتي القطيف والأحساء. وأكدت “لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في شبه الجزيرة العربية” أن هذه الاعتقالات تهدف إلى إسكات الأصوات الواعية ومنع انتشار الوعي السياسي والتحرري بين المواطنين.
2. أحكام الإعدام الجائرة: تواجه مجموعة من معتقلي الرأي والسياسيين خطراً داهماً بالإعدام الوشيك، وعرف منهم: زكريا البناوي، أحمد آل دغام، عدنان الشاخوري، وزهير آل صمخان، وسط مطالبات حقوقية دولية بوقف هذه الأحكام التعسفية فوراً.
3. التضييق وتواطؤ المنصات الرقمية: كشف الأكاديمي والحقوقي عبد الله العودة عن تواطؤ منصة “إكس” (تويتر سابقاً) مع النظام السعودي لحظر حسابات المعارضين والنشطاء، مطالباً الكونغرس الأمريكي بفتح تحقيق فوري حول التدخل الخارجي وقمع حرية التعبير على المنصة.
4. الاختطاف والإخفاء القسري: كشفت منظمة “القسط” لحقوق الإنسان عن إقدام السلطات السعودية على الاحتجاز السري والإخفاء القسري لـثلاثة مهندسين كولومبيين جرى اختطافهم من جنوب اليمن ونقلهم إلى داخل المملكة، حيث يُحرمون كلياً من التواصل مع عائلاتهم أو الحصول على تمثيل قانوني.
5. انتهاك حقوق العمالة المنزلية: وثق تقرير حقوقي يستند إلى شهادات حيّة لـ19 عاملة منزلية فيليبينية تعرضهن لانتهاكات جسيمة تشمل: العمل لساعات طويلة تتجاوز الطاقة البشرية، مصادرة جوازات السفر، التعنيف الجسدي واللفظي، والاعتداءات الجنسية، في ظل غياب تام لأي حماية قانونية أو عمالية تحميهن من الاستعباد.
6. العقوبات التعسفية للمخالفين: بدلاً من معالجة قضايا التأشيرات بمرونة، أقرت السلطات تشديداً كبيراً في العقوبات المفروضة على مخالفي تأشيرات الزيارة (تزامناً مع استحداث تأشيرة برامج التدريب)، حيث تصل العقوبات إلى غرامة مالية قدرها 50 ألف ريال، والسجن لمدة 6 أشهر، تليها عقوبة الترحيل الفوري.
إن تصاعد وتيرة الانتهاكات الحقوقية والسياسات العسكرية المتهورة، بالتوازي مع التدهور الاقتصادي والخدمي الداخلي، يثبت مجدداً أن سياسة الترهيب وقمع الأصوات الحرة لن تساهم في حل الأزمات البنيوية التي تعصف بالبلاد، بل تزيد من تكلفة التغيير والإصلاح المستقبلي الحتمي.