أرقام «بلومبرغ» واعترافات الميدان
لم تكن التقارير التي نشرتها وكالة «بلومبرغ» وأكدتها الجداول التشغيلية لقطاع الطيران مجرد تفاصيل فنية لرحلات أُلغيت أو أُعيدت جدولتها، بل جاءت بمثابة وثيقة إدانة واقعية للمشروع الدعائي برمته.
إن تسجيل إلغاء نحو 94% من أصل 4,345 رحلة في مطار الملك خالد الدولي بالرياض خلال الفترة من 10 إلى 27 أكتوبر، واضطرار الناقل الجديد المتباهى به، «طيران الرياض»، إلى نقل عملياته قسراً إلى مطار الأمير نايف بن عبدالعزيز في القصيم (على بُعد قرابة 400 كم) وتسيير قوافل حافلات لنقل المسافرين براً لساعات طويلة، يكشف عن حقيقة دامغة:
عاصمة الدولة التي يُروَّج لها كمركز مالي إقليمي باتت عاجزة عن تأمين سمائها ومدرجات مطاراتها.
أولاً: أصل الداء… قرارات الحرب الفردية والاستعلاء العائلي
إن محاولة فصل ما يجري اليوم في أجواء الرياض عن جذوره السياسية هو قمة التضليل.
فهذا الشلل التشغيلي لم يهبط من فراغ، ولم يكن الشعب في بلاد الحرمين مسؤولاً عنه يوماً، بل هو النتيجة الحتمية لجملة من السياسات الكارثية:
1. حرب اليمن وحصاد المغامرة: منذ عام 2015، قادت منظومة الحكم المتمثلة في عائلة آل سعود—وعبر قرارات فردية متغطرسة اتُّخذت في الغرف المغلقة دون أي استفتاء أو تفويض شعبي—عدواناً عسكرياً مدمراً على اليمن الجار، محوّلة الدولة المجاورة إلى ساحة خراب، ومستجلبةً في الوقت ذاته حرب استنزاف كبرى ارتدت نارها إلى الداخل السعودي، إن وصول المسيّرات والصواريخ اليوم إلى مطار العاصمة وتعطيل مفاصل الحركة الجوية هو الحصاد المباشر لتلك الحرب العبثية التي أحرقت المليارات وعرّضت البلاد لمخاطر أمنية وجودية.
2. غياب المحاسبة والتمثيل: في غياب برلمان حقيقي ومؤسسات دستورية مستقلة، تُرِك مصير البلاد رهناً لأهواء أفراد من العائلة الحاكمة يتعاملون مع الوطن وثرواته كـ"ملكية خاصة" ومزرعة شخصية، يُزج بشعبها في أتون صراعات إقليمية لم يخترها، ثم يُطلب منه دفع الفاتورة مادياً وأمنياً من خلال التهديد الدائم وزيادة الضرائب ورفع الأسعار.
ثانياً: أين ذهبت مئات المليارات؟ وهم الردع وعقود التسلح
على مدار عقود، احتلت المملكة رأس قوائم الإنفاق العسكري عالمياً، وتدفقت مئات المليارات من الدولارات إلى شركات السلاح الغربية تحت لافتة “حماية الوطن والأجواء”.
واليوم، تقف الحقائق عارية أمام الجميع:
1. السلاح كـ"جزية سياسية": أثبتت الوقائع أن تلك الصفقات الفلكية لم تكن مخصصة لبناء عقيدة دفاعية حقيقية قادرة على حماية الحدود والمنشآت الحيوية، بل كانت رشاوى سياسية لشراء صمت العواصم الغربية عن ملفات القمع وانتهاكات حقوق الإنسان وتثبيت كراسي الحكم.
2. العجز أمام السلاح الرخيص:تقف منظومات الباتريوت بملياراتها عاجزة ومستنزفة أمام مسيّرات وصواريخ منخفضة الكلفة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، هذا التناقض الصارخ يُسقط سردية “القوة العسكرية العظمى”، ويؤكد أن الفساد وسوء التخطيط ينخران في صميم المنظومة الأمنية.
ثالثاً: تسويق الوهم… سقوط السردية أمام أعين المستثمرين
تسعى آلة الدعاية وحملات التأثير الموجهة إلى تغطية هذا الانهيار اللوجستي والأمني ببيانات تافهة وتبريرات ناعمة تزعم أن الأمر مجرد “تحديثات تشغيلية”.
ولكن، هل يمكن صناعة الثقة الاقتصادية بالكذب والذباب الإلكتروني؟
رابعاً: الاستنتاج الحتمي… لا استقرار بلا تغيير سياسي جذري
إن المعطيات الصلبة تقود إلى حقيقة قطعية: لا خروج للبلاد من هذه الدوامة الكارثية في ظل بقاء منظومة الاستبداد الفردي والعائلي.
إن ما جرى في مطار الملك خالد يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن استبداد آل سعود لم يعد مجرد قمع سياسي للحريات، بل تحول إلى تهديد وجودي يطال أمن المواطنين، ومقومات حياتهم اليومية، ومستقبل البلاد برمتها؛ ولا خلاص من هذا الكابوس سوى باقتلاع منظومة الاستبداد، وإنهاء التفرد العائلي بالسلطة والقرار، وبناء دولة يُطبق فيها القانون على الجميع، وتكون دولة مؤسسات لا أفراد، وصولاً إلى دولة العدالة والديمقراطية.