وتحتاج السلطات السعودية لسعر ٨٤ إلى ١٠٦ دولار للبرميل حسب (بلومبيرغ) وأي شيء أقل من ذلك هو خسارة للاقتصاد وعجز، بينما الإمارات تستطيع أن تتحرك بأريحية بأسعار في بحر الـ ٥٠ دولار..
ويرى مراقبون أن المواجهة الإماراتية-السعودية تتجه نحو تصعيد أكبر، وهذه المرة الإمارات قررت ضرب السعودية في شريانها الاقتصادي.
من جهتها قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن انسحاب الإمارات من منظمة أوبك بعد ما يقرب من 60 عامًا يؤكد على إحباطات الإمارات المستمرة منذ فترة طويلة مع مجموعة مصدري النفط بشأن حصص الإنتاج وتوتراتها المتصاعدة مع السعودية.
ويقول المحللون إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد سرّعت من وتيرة ديناميكيات كانت قائمة قبلها.
ولطالما تبنّت الإمارات وجهة نظر مفادها أنه ينبغي عليها التصدير إلى أقصى حد ممكن لتحقيق الربح من السلعة، وتمويل المرحلة التالية من تنميتها، والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط.
لكن منظمة أوبك، بالقيادة الفعلية للسعودية، فرضت حصص إنتاجية في محاولة لدعم أسعار النفط، مما حدّ من إنتاج الإمارات.
وتحتاج الرياض إلى أسعار أعلى بكثير —تقارب 100 دولار للبرميل— لتحقيق التوازن في ميزانيتها مقارنةً بأبوظبي الأكثر ثراءً.
من جهتها علقت وكالة بلومبيرغ الأمريكية بأن خروج الإمارات من منظمة أوبك يمثل أكبر أزمة وجودية واجهتها المنظمة منذ تأسيسها قبل أكثر من نصف قرن.
ورأت الوكالة أنه لا علاقة تُذكر للانسحاب الإماراتي من أوبك بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ فقد بدأت عملية الانسحاب من الرياض، مرورًا بولاية تكساس.
وذكرت الوكالة أن الأمر برمته يدور حول رغبة الإمارات في زيادة إنتاجها من النفط، حتى لو كان ذلك على حساب انخفاض الأسعار.
يأتي ذلك في وقت يعاني فيه الاقتصاد السعودي من أزمة متفاقمة في ظل تسارع وتيرة كفاءة الإنفاق في المملكة مع اشتداد وطأة الحرب على إيران والتوتر الإقليمي الحاصل.
ويعطي الأثر الاقتصادي للحرب دفعة قوية لسياسة خفض الإنفاق الحكومي التي تسارعت وتيرتها خلال العامين الماضيين.
فقد خفضت الحكومة السعودية الإنفاق العام في ميزانية 2026 بنسبة 1.7%، عقب تخفيض بنسبة 4.5% أُعلن عنه لعام 2025.
وشهدت الأشهر الأولى من العام تقليصًا كبيرًا لبعض أكثر مشاريع رؤية 2030 طموحًا، بما في ذلك مدينة نيوم المستقبلية؛ ومشروع التطوير العقاري الفاخر ذا لاين؛ وناطحة السحاب المكعبة المربع.
وبينما لا تزال خطط استضافة معرض إكسبو 2030 في الرياض وكأس العالم لكرة القدم 2034 قائمة، تم نقل دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029 —التي كان من المقرر إقامتها في نيوم— رسميًا إلى كازاخستان بعد تقليص نطاق المدينة.
ويرى نيل كويليام، زميل مشارك في تشاتام هاوس، أن هذه المشاريع العملاقة، التي أُطلقت في حقبة كانت فيها أسعار النفط أعلى، قد حجبت نجاحات رؤية 2030 التي بدأت قبل 10 سنوات، مثل الزيادة الكبيرة في مشاركة المرأة في القوى العاملة والتحسن الملحوظ في معدلات تملك المنازل.
ويضيف: “لقد استنزفت بعض المشاريع الرائدة الكثير من الاهتمام ورأس المال.. ولم يتحول مناخ الاستثمار العام بالسرعة الكافية لتناسب حجم الوعود المقطوعة.”
وبحسب كيليام، فإن التركيز الذي أولته القيادة السعودية للمشاريع الكبرى قد صرف الانتباه عن تدابير أكثر جوهرية مطلوبة لتعزيز مناخ الاستثمار، لا سيما من الخارج.
ويظل جذب الاستثمار الأجنبي المباشر أمرًا حاسمًا لرؤية 2030، حيث وضع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عام 2021 هدفًا لتدفقات تصل إلى 100 مليار دولار سنويًا.
ورغم نمو هذه التدفقات، إلا أنها لا تزال أقل بكثير من الهدف المنشود؛ فقد نمت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة تزيد عن 50% في عام 2026، لكنها بلغت 122.4 مليار ريال (33 مليار دولار) فقط، وفقًا للبيانات الحكومية.
ويعتقد كيليام أن هذا النقص يعكس الخيارات المتخذة في القمة، قائلًا: “لقد وُضع تركيز مفرط على المشاريع الضخمة، في حين كان المستثمرون يطالبون بالشروط الأساسية التي تجعل رأس المال مستقرًا: الوضوح التنظيمي، السياسات المتوقعة، الحماية القانونية الأقوى، سهولة دخول السوق، شفافية المشتريات، ومسار أوضح من إعلان السياسة إلى تنفيذها”.