عاجل:
دول مجلس التعاون تسعى لترميم علاقاتها مع طهران
الاخبار 2026-07-05 08:25 529 0

دول مجلس التعاون تسعى لترميم علاقاتها مع طهران

في أعقاب العدوان العسكري الحاد الذي شهدته منطقة الخليج الفارسي خلال عامي 2025 و2026، والذي تضمن ضربات أمريكية ومن الكيان الصهيوني على منشآت نووية إيرانية،

بقلم: نجاح محمد علي...

في أعقاب العدوان العسكري الحاد الذي شهدته منطقة الخليج الفارسي خلال عامي 2025 و2026، والذي تضمن ضربات أمريكية ومن الكيان الصهيوني على منشآت نووية إيرانية، وسلسلة اغتيالات طالت القادة وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، وردود إيرانية شملت هجمات صاروخية باليستية على قواعد عسكرية أميركية في البحرين والكويت و السعودية و قاعدة العديد الجوية في قطر، وتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، تتجه دول مجلس التعاون الخليجي نحو إعادة ترتيب علاقاتها مع إيران بطريقة براغماتية. هذه الجهود تأتي في سياق تحولات عميقة في النظام الإقليمي الذي رسمت إيران ملامحه ، حيث تبرز تساؤلات حول موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، وتزايد الحاجة إلى الاستقرار لدعم مشاريع التنويع الاقتصادي مثل رؤية السعودية 2030، مع استمرار التحديات الأمنية والثقة المتبادلة.

 

تعود العلاقات بين دول الخليج وإيران إلى فترات متباينة من التعاون والصراع. قبل عام 1979، كانت العلاقات مستقرة نسبياً في إطار التحالفات الغربية خلال الحرب الباردة. لكن أنتصار الثورة الإيرانية عام 1979 غيّر المعادلة جذرياً، إذ دعمت دول الخليج (خاصة السعودية والكويت) العراق في حرب صدام (1980-1988) ضد إيران.

 

في التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة، شهدت العلاقات فترات تهدئة نسبية، لكن التوترات عادت بقوة بعد أحداث الربيع العربي 2011، وتصاعدت مع تنامي النفوذ الإيراني في سوريا والعراق واليمن. بلغت الذروة عام 2016 عندما قطعت السعودية العلاقات الدبلوماسية مع إيران عقب إعدام الشيخ نمر النمر والهجوم على البعثات السعودية في طهران ومشهد. كما اتهمت السعودية إيران بالتورط في هجوم أرامكو عام 2019 (الذي نُسب أولاً لانصار الله).

 

جاءت نقطة التحول في 10 مارس 2023، عندما أعلنت السعودية وإيران استئناف العلاقات الدبلوماسية بوساطة صينية في بكين، مع إعادة فتح السفارات. سبق ذلك استعادة الإمارات العربية المتحدة لعلاقاتها الدبلوماسية الكاملة مع إيران عام 2022. كما أعلنت إيران إعفاء مواطني دول مجلس التعاون الخليجي من التأشيرات في بعض الحالات. كانت هذه الخطوات جزءاً من استراتيجية “تقليل المخاطر” التي تبنتها دول المجلس للتركيز على التنمية الاقتصادية بعيداً عن الصراعات الإقليمية.

 

بدأت جولات مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط (عُمان) في أبريل العام الماضي، بوساطة عُمانية، لكنها تعثرت. في يونيو  التالي، شن الكيان الصهيوني ضربات على إيران، تبعتها ضربات أمريكية على منشآت نووية إيرانية (فوردو ونطنز وأصفهان). ردت إيران بهجمات صاروخية، أبرزها على قاعدة العديد في قطر (23 يونيو 2025)، مما أثار ذعراً مدنياً في قطر والبحرين والكويت، رغم تأكيد إيران أن الهدف كان القوات الأمريكية.

 

امتد التصعيد إلى العام الحالي مع ضربات متبادلة، وتهديدات بإغلاق مضيق هرمز (الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية)، مما ألحق أضراراً اقتصادية بدول الخليج . أظهرت الهجمات الإيرانية على مصادر العدوان في أراضي هذه الدول هشاشة الاعتماد الكلي على الضمانات الأمريكية، رغم وجود قواعد عسكرية أمريكية كبيرة هناك. عقد وزراء خارجية دول المجلس اجتماعاً طارئاً في الدوحة، وأكدوا التضامن مع قطر، بينما أدانوا الهجوم.

 

بحلول يونيو الماضي ، وقّعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار (في إسلام آباد/فرساي)، شملت إعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً ومناقشات لاحقة حول البرنامج النووي، مع استمرار مفاوضات في الدوحة وأماكن أخرى بوساطة عُمان وقطر وباكستان ومصر وتركيا.

 

يكشف الوضع الحالي عن تحولات هيكلية:

 

تآكل الثقة في الضمان الأمريكي: رغم الوجود العسكري الأمريكي، تعرضت دول المجلس لهجمات إيرانية مباشرة، مما دفعها للبحث عن خيارات أكثر استقلالية وتنويع الشراكات (بما في ذلك الصين التي توسطت في اتفاق 2023).

 

الضرورات الاقتصادية: مشاريع التنويع الاقتصادي (رؤية 2030 السعودية، ومشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين في عُمان والإمارات) تتطلب استقراراً إقليمياً. إغلاق هرمز أو استمرار التوتر يهدد صادرات النفط والغاز.

 

صعود البراغماتية: تدرك دول المجلس (خاصة السعودية) أن إيران خرجت من الصراع أكثر ثقة بنفسها ، رغم الخسائر، وأن المواجهة المفتوحة مكلفة للجميع. يتحدث أمين عام مجلس التعاون عن رغبة في “علاقات طبيعية” مع إيران، مع معالجة المخاوف الأمنية (البرنامج النووي والصاروخي، والجزر الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى).

 

مبادرات إقليمية: تطرح السعودية أفكاراً مستوحاة من اتفاق هلسنكي 1975 للتعايش بين القوى المتنافسة، مع دعم أوروبي محتمل.

 

تختلف المقاربات داخل دول المجلس: عُمان وقطر تأريخياً أكثر انفتاحاً على الحوار مع إيران (وساطات مستمرة)، بينما تتخذ الإمارات والبحرين والسعودية مواقف أكثر حذراً أمنياً، مع التركيز على بناء الثقة خطوة بخطوة.

 

رغم الجهود، تبقى عقبات كبيرة:

 

أزمة الثقة: هجوم العام الماضي على قطر والذي تكرر بأشكال أخرى هذا العام واستهدف مصادر الغاز و مواقع حيوية أخرى، أظهر حدود “التهدئة الحذرة” السابقة.

 

القضايا العالقة: البرنامج النووي الإيراني، القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، دعم الحلفاء الإقليميين، والنزاع على الجزر مع الإمارات .

 

الانقسامات الخليجية: تفاوت في شدة المواقف تجاه إيران.

 

الضغوط الخارجية: محاولات ربط أي اتفاق أوسع بتوسيع “اتفاقيات أبراهام” (التطبيع مع الكيان الصهيوني).

 

 

الآفاق المستقبلية:

 

تسعى دول مجلس التعاون حالياً إلى مزيج من الدبلوماسية والتحوط: تعزيز الدفاعات الجوية المشتركة، تطوير خطوط أنابيب بديلة لتجاوز هرمز (مثل خطوط السعودية إلى البحر الأحمر والإمارات إلى الفجيرة)،، والعقبة عبر العراق،  وفي الوقت نفسه استكشاف قنوات اقتصادية وأمنية مع إيران لتجنب صراعات جديدة. الهدف المعلن هو “علاقات طبيعية” مبنية على حسن النية والمصالح المشتركة، مع الاعتراف بأن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي للازدهار الاقتصادي في عصر متعدد الأقطاب.

 

يبقى الطريق طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر، لكن الدروس المستخلصة من حرب 2025-2026 يجب أن تدفع دول مجلس التعاون نحو واقعية جديدة: التركيز على المصالح الوطنية والإقليمية بدلاً من الاصطفافات الأيديولوجية أو الاعتماد الكلي على قوة خارجية واحدة. التحول في النظام الإقليمي لم يُنهِ التنافس، لكنه فرض على الجميع إعادة حساباتهم نحو التعايش الحذر.

 

آخر الاخبار