وبينما تكشف وثائق المحكمة عن مدفوعات بملايين الدولارات للتنفيذيين ومستحقات لموردين، يبقى السؤال عن مسؤولية ياسر الرميان، محافظ الصندوق ورئيس مجلس إدارة ليف، وعن آليات الرقابة على هذا الإنفاق.
وقد أُسدل الستار على ليف غولف في محكمة الإفلاس الأمريكية، بعدما أعلن محامو الدوري أنه لن يمضي في خطة إعادة الهيكلة المعروفة باسم «ليف 2.0»، وسيتجه بدلاً منها إلى تصفية أعماله وأصوله.
وهكذا انتهى مشروع قُدّم بوصفه منافساً عالمياً لجولة PGA، بعدما ضخ صندوق الاستثمارات العامة السعودي فيه أكثر من خمسة مليارات دولار، ثم قرر وقف التمويل بعد موسم 2026. أسوشيتد برس
وقد عجزت ليف وشريكها الاستثماري المحتمل «بي سي بارتنرز» عن تأمين دعم كافٍ من اللاعبين للمضي في نسخة جديدة من الدوري. وكانت الشركة قد تعهدت باستثمار يصل إلى 300 مليون دولار، لكن الصفقة انهارت بعد تعثر التوصل إلى اتفاقات مع عدد كافٍ من اللاعبين، فيما غادر نجوم بارزون أو أبدوا رغبتهم في مغادرة المنافسة.
ووفق محامي ليف أمام المحكمة، لم يتوافر الدعم المالي والرياضي اللازم لبناء مشروع قابل للاستمرار.
وتكشف الملفات المالية حجم الرهان الذي وضعه الصندوق السيادي على الدوري. فبحسب وثائق المحكمة التي تناولتها «ذا أثلتيك»، بلغ التزام الصندوق الاستثماري في ليف 5.3 مليارات دولار بين منتصف 2021 وفبراير/شباط 2026.
وفي المقابل، تجاوزت التزامات ليف 500 مليون دولار، بينما أظهرت الوثائق أن ذراعها البريطانية وحدها راكمت خسائر بلغت 1.1 مليار دولار حتى نهاية 2024، واقتربت الخسائر من ملياري دولار بحلول نهاية 2025.
وتعرض تقديرات نقلها موقع «Money in Sport» مسار الإنفاق السنوي على النحو الآتي: نحو 4.5 مليارات ريال في 2021، و4.88 مليارات في 2022، و750 مليوناً في 2023، ثم 4.5 مليارات في 2024 و4.13 مليارات في 2025، ونحو مليار ريال خلال 2026 حتى وقت إعداد تلك التقديرات.
كما أشارت تقارير إلى ضخ 266.6 مليون دولار إضافية في فبراير/شباط 2026، ليرتفع الاستثمار التراكمي إلى نحو 5.3 مليارات دولار. وفي المقابل، ظلّت العائدات التجارية، من البث والإعلانات والرعاية والتذاكر، دون مستوى الإنفاق الذي تطلبه المشروع.
ولم ينحصر السؤال في حجم الخسائر، بل امتد إلى كيفية إدارة المال في الأشهر التي سبقت الإفلاس. فقد كشفت وثائق المحكمة، وفق أسوشيتد برس، أن ليف دفعت 15.6 مليون دولار للاحتفاظ بسبعة من التنفيذيين، بينهم 6.375 ملايين دولار للرئيس التنفيذي سكوت أونيل، بعد إعلان الصندوق إنهاء دعمه وقبل تقديم طلب الإفلاس.
كما أظهرت الوثائق وجود 129 مطالبة من دائنين، ونزاعات بشأن خدمات غير مدفوعة. وأشارت الوكالة إلى أن مكافآت الاحتفاظ بالتنفيذيين ليست مستبعدة في سياق الإفلاس، لكن مصير تلك المدفوعات بات موضع تساؤل بعد قرار تصفية المشروع.
هنا يعود السؤال إلى ياسر الرميان. فهو محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة ليف، ما يضعه في موقع يستدعي توضيح كيفية اتخاذ القرار، وما المعايير التي استند إليها ضخ المليارات، ومن راجع التوقعات التجارية، ومتى تبيّن أن المشروع لن يبلغ الاستدامة المالية.
وقد دافع مؤيدو ليف عن الإنفاق باعتباره استثماراً في النفوذ والسمعة، وتوسيعاً لجمهور الغولف. فيما اتهم منتقدون المشروع بأنه شكل من «الغسيل الرياضي»، أي توظيف الرياضة لتحسين صورة الدولة وصرف الأنظار عن الانتقادات الحقوقية.
لكن مصطلح «الاستثمار الاستراتيجي» لا يعفي من نشر حساب واضح: ما العائد غير المالي الذي تحقق؟ وكيف قيس؟ وما حدود الإنفاق؟ وما خطة الخروج؟.
ويأتي ذلك فيما تتوقع ميزانية السعودية لعام 2026 عجزاً قدره 165 مليار ريال، مع إيرادات مقدرة بـ1.147 تريليون ريال ونفقات بنحو 1.313 تريليون. ولا يعني هذا أن إنفاق ليف وحده سبب العجز، لكنه يجعل تبرير مشروع خاسر ممول من صندوق سيادي أكثر إلحاحاً، خصوصاً في مرحلة تقول فيها المملكة إنها تركز على كفاءة الإنفاق وأولوياته. وزارة المالية السعودية
وفي المحصلة انتهت ليف، لكن ملفها المالي لم يُغلق. فالتصفية تحدد مصير الأصول والدائنين، أما محاسبة من أقرّ الاستثمار وأدار مساره فتحتاج إلى كشف القرارات والافتراضات والرقابة التي صاحبت ضخ الأموال. ومن دون إجابات موثقة، ستبقى مليارات ليف شاهداً على رهان باهظ لم ينجح، وسؤالاً معلّقاً عن الجهة التي تتحمل مسؤوليته أمام مالكي المال العام.